أخباركم – أخبارنا
بقلم: مسعود محمد
في دهاليز السياسة الدولية، لا مكان للمصادفة أو العواطف؛ فالولايات المتحدة دولة تتقن فن رسم الأدوار وتوزيع المهام لممثليها بما يخدم إستراتيجيتها العليا. وحين ننظر اليوم إلى مسيرة المبعوثين الأمريكيين، جيمس جيفري وتوم باراك، نجد أن تحركاتهما في الملف السوري لم تكن يوماً خارج إطار الحفاظ على “المصالح الكبرى” مع الحليف التركي، حتى وإن بدا ذلك في العلن على حساب حلفاء الميدان.
المعادلة الرباعية: أمن إسرائيل وجائزة ترضية لأنقرة
تتكشف اليوم ملامح “المقايضة الكبرى” التي ترعاها واشنطن لإعادة صياغة توازنات الشرق الأوسط بعد رحيل نظام الأسد. هذه المقايضة تقوم على ركنين أساسيين لا يقبلان القسمة على اثنين:
1. الجنوب السوري وأمن إسرائيل: تأمين حدود إسرائيل بالكامل، من جبل الشيخ وصولاً إلى ضواحي دمشق، وضمان إنهاء أي تهديد عسكري أو وجود لفصائل غير منضبطة في هذه المنطقة، مقابل منح الشرعية الدولية لنظام أحمد الشرع الجديد.
2. الشمال الشرقي والجائزة التركية: في المقابل، ومن أجل ضمان صمت أنقرة ومباركتها لهذا الترتيب في الجنوب، قُدمت لتركيا “جائزة ترضية” ذهبية في شمال شرق سوريا، تتمثل في إزالة “الخطر الكردي” وتفكيك بنية الإدارة الذاتية، وهو ما يفسر الضغط الأمريكي الهائل لدمج “قسد” في الجيش السوري وتجريدها من استقلاليتها.
رؤية أربيل: محاولة الإنقاذ التي أهدرها التعنت
وسط هذه الأمواج المتلاطمة، كانت قيادة إقليم كردستان، متمثلة بالرئيس مسعود بارزاني ورئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، تقرأ المشهد بدقة استباقية. أدركت أربيل مبكراً أن واشنطن لن تتردد في التضحية بالورقة الكردية السورية لتأمين اتفاق أمني يخدم إسرائيل ويرضي تركيا في آن واحد.
لذا، جاءت دعوات البارزاني المتكررة لقيادة “قسد” بضرورة “التنازل المشرّف” والانسجام مع الواقع الدولي. كانت الخطة تهدف إلى إخراج الكرد من عباءة “حزب العمال الكردستاني” والدخول في شراكة سياسية حقيقية مع المحيط، لقطع الطريق على هذه المقايضة والحفاظ على الحد الأدنى من الحقوق القومية بضمانات دولية، بدلاً من التفكك الكامل الذي نشهده الآن.
عقدة “قنديل” وخدمة الدولة العميقة
لكن، وبدلاً من الاستجابة لرؤية أربيل الواقعية، اختارت قيادة قنديل طريق التعنت والمكابرة. هذا الإصرار على الارتباط العضوي بأجندات عابرة للحدود، واللعب بورقة عبد الله أوجلان بطريقة خدمت – للمفارقة – “الدولة العميقة” في تركيا، منح واشنطن وأنقرة والشرع المبرر الذهبي لإنهاء الخصوصية الكردية. لقد تحول تعنت قنديل إلى “جسر عبور” لتمرير الصفقة الأمريكية، حيث ظهر الكرد كطرف “غير مرن” يعيق استقرار سوريا الجديدة، مما سهل التلاعب بمصالحهم.
تصريح “الشرع” ولحظة الحقيقة
جاءت تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع ليلة أمس لتعلن رسمياً بدء تنفيذ هذه المقايضة. الاندماج العسكري الكامل لـ “قسد” في هيكلية الجيش السوري يعني تسليم مفاتيح الشمال لدمشق (لطمأنة أنقرة)، مقابل تفرغ النظام الجديد لتأمين تفاهمات الجنوب (لطمأنة إسرائيل). لقد نجح الشرع، بدعم مباشر من توم باراك، في استعادة السيادة على الورق، بينما بقيت الأرض مقسمة بين مصالح القوى الكبرى.
الخلاصة
لقد أثبتت أحداث يناير 2026 أن الواقعية السياسية التي انتهجتها أربيل كانت هي المسار الوحيد الممكن للحفاظ على المكتسبات. أما اليوم، وبعد إبرام المقايضة الكبرى، يجد الكرد في سوريا أنفسهم أمام واقع مرير: لقد استُخدمت تضحياتهم لتأمين حدود الآخرين، بينما ضاعت حقوقهم بين تعنت قنديل ومصالح واشنطن وتطلعات أنقرة.



