أخباركم – اخبارنا
تقرير لبنان السياسي
في لبنان، يبدو يوم الأحد كأنه استراحة معلّقة بين ضجيج الأزمات وصمت الانتظار. لا شيء يشبه الهدوء الظاهر على الطرقات سوى ذلك البركان الكامن تحت طبقات يومية من الإنكار السياسي والتعب الشعبي. اتفاق هشّ يتأرجح على الحدود، وملفات أمنية تُرحّل، ولجنة الميكانيزم مجمدة حتى إشعار سياسي آخر، فيما الجيش ينتظر غطاءً لا يأتي، وقرارات تختلط بين حسابات الداخل وارتباك الخارج.
ففي يوم لبناني مثقل بالهواجس، يتداخل المشهد الأمني والسياسي والاقتصادي في مساحة واحدة من القلق، وسط اتفاق هشّ بلا ضمانات، واستحقاقات بلا أفق واضح. فالتوتر على الحدود الجنوبية لا يهدأ رغم الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، فيما الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة في البقاع والجنوب تعيد التساؤلات حول قدرة الدولة على تثبيت التهدئة ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، في وقت تبدو فيه المؤسسات الرسمية عاجزة عن الإمساك بخيط واحد من خيوط الأزمة المتشابكة.
الخطاب الصادر عن حزب الله خلال الساعات الماضية يعكس تمسّك الحزب بخياراته الاستراتيجية، ورفضه لأي مقاربة تعتبر الاتفاق الحالي مقدمة لطرح ملف سلاحه تحت سلطة الدولة. هذا الموقف يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر السياسي الداخلي، مع اتساع الهوة بين الحزب ومؤسسات الدولة، وتنامي الخشية من أن يتحول الخلاف إلى شلل إضافي يطال عمل الحكومة ورئاسة الجمهورية. خلف الكواليس تدور محاولات وساطة محلية وخارجية لترميم العلاقة بين الطرفين، تفادياً لانفجار سياسي قد يتقاطع مع التوتر الأمني على الحدود، ويزيد الوضع الداخلي تعقيداً في لحظة حرجة.
في المقابل، يواصل الملف الاقتصادي ثقله على يوميات اللبنانيين. التقارير المالية التي تتحدث عن تحسن محدود في بعض المؤشرات لا تعكس تحوّلاً حقيقياً، بل هو بحسب خبراء اقتصاديين “تعافٍ وهمي” ناتج من حركات ظرفية في السوق لا يمكن البناء عليها. فالأزمة البنيوية لا تزال على حالها، وخطوات الإصلاح غائبة، والمؤسسات المالية الدولية تضع لبنان في خانة الدول غير القادرة على التعافي من دون برنامج إصلاحي شامل. هذا الواقع يجعل الاقتصاد عامل ضغط رئيسي يقلّص هامش المناورة السياسية، ويمنع الأطراف من تقديم تنازلات قد ترتدّ على قواعدها الشعبية المثقلة أصلاً بالأعباء المعيشية.
إقليمياً، تحضر المتغيرات بين إيران والسعودية في خلفية المشهد اللبناني، فيما ترخي الضغوط الأميركية بظلالها على النقاشات الداخلية. يراهن بعض الأطراف على تغيّرات محتملة في الإقليم لإعادة صياغة التوازنات داخل لبنان، بينما يعتقد آخرون أن الانتظار ليس خياراً، وأن البلاد بحاجة إلى تسوية داخلية مستقلة عن مسارات الخارج. وبين الرهانات المتناقضة، يعيش الشارع اللبناني صعوبات يومية تتراوح بين انهيار الخدمات الأساسية وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل أي توتر أمني أو خلاف سياسي جديد سبباً لزيادة القلق حول مستقبل الاستقرار.
ضمن هذا السياق المضطرب، تؤكد مصادر دبلوماسية أن لجنة الميكانيزم الأمنية لن تعقد اجتماعاً قبل الثامن عشر من شباط المقبل، رغم عودة الجنرال جوزيف كليرفيلد من الولايات المتحدة. وتوضح المصادر أن الظروف الحالية لا تستدعي انعقاد اللجنة، وأن لا مؤشرات ميدانية أو سياسية تدفع إلى اجتماع عاجل. وتشير في الوقت نفسه إلى أن الجيش اللبناني لم يعد الجهة الوحيدة المكلفة بإنهاء بعض العمليات الميدانية، وأن الحكومة مطالبة بتأمين غطاء سياسي واضح يمكّن الجيش من تنفيذ مهامه، خصوصاً جنوب نهر الليطاني، حيث تتكثف الضغوط والتحديات. هذا الواقع يعكس حاجة ملحّة إلى قرار سياسي حاسم يدعم المؤسسة العسكرية، ويمنع تركها تواجه التحديات منفردة في مناطق تشهد توتراً متزايداً.
في موازاة ذلك، برزت المواقف الروحية في هذا اليوم لتشكّل مرآة إضافية للأزمة. فقد تلقّى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي رسالة شكر من البابا لاوون الرابع عشر، عبّر فيها عن تقديره لدور الكنيسة في لبنان خلال زيارته الأخيرة، مشيداً بصمود الشعب اللبناني وإيمانه رغم الظروف القاسية. وأكد البابا أن الكنيسة في لبنان “حية” وأن حضورها إلى جانب الناس هو عنصر قوة روحية واجتماعية، داعياً إلى استمرار هذه الرسالة وسط العواصف التي تواجه البلاد.
وفي قداس الأحد في بكركي، شدد الراعي على أن لبنان بحاجة إلى رؤية وطنية جامعة لا تُبنى بالقهر أو الإقصاء، بل بالشهادة والمسؤولية. استند في عظته إلى شهادة يوحنا المعمدان، داعياً إلى قيادات سياسية تشبهه في الجرأة والصدق والاستعداد للتراجع عندما يتطلب الأمر. رأى الراعي أن البلاد تحتاج إلى شهود حق لا إلى شعارات، وأن البناء الوطني لا يمكن أن يقوم في ظل الانقسامات والاحتكار، بل عبر شراكة صادقة تعيد الاعتبار إلى الحقيقة والكرامة. وأكد أن خلاص لبنان يبدأ حين يضع السياسيون مصلحة الوطن فوق الحسابات الخاصة، وينطلقون في مسار إصلاحي يعيد الثقة المفقودة.
وفي بيروت، ترأس المطران الياس عودة قداس الأحد الذي تخلله وداع النائب الراحل الدكتور غسان سكاف. اختار عودة في عظته نص شفاء البرص العشرة ليؤكد أن الإيمان الحقيقي يبدأ بالشكر، وأن الطاعة تسبق الفهم، وأن الخلاص يكتمل بالامتنان لا بالطلب فقط. وأشار إلى أن الإنسان يميل إلى نسيان المُعطي بعد نيل العطايا، محذراً من فقدان روح الامتنان في مجتمع يمرّ بامتحان صعب. ثم خصّ الراحل سكاف بتحية مطوّلة، واصفاً إياه بالنموذج المعتدل الذي عرف كيف يجمع بين الموقف والهدوء، وبين المسؤولية والإنسانية. واستعاد دوره خلال فترة الفراغ الرئاسي، حيث بذل جهوداً صامتة للتقريب بين الأطراف بحثاً عن حلّ يؤدي إلى انتخاب رئيس. واعتبر أنه كان من السياسيين القلائل الذين خدموا الوطن “كأمانة لا كامتياز”، داعياً إلى الاقتداء بحكمته ونزاهته.
من جهته، أطلق المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان تحذيراً شديد اللهجة حول خطورة المرحلة التي يمرّ بها لبنان. وصف الوضع بأنه “كارثي”، داعياً إلى إرادة وطنية صادقة لحماية الصيغة اللبنانية ومنع الانهيار. ورأى أن غياب دولة المواطنة يجعل لبنان أقرب إلى مجموعات متفرّقة تعيش تحت تأثير الأزمات والمحميات الدولية، محذراً من سلطة تتعامل مع الملفات بعقلية التفرد والانقسام بدل الشراكة. واعتبر أن ما يحدث في الجنوب يشكّل “فضيحة مدوية” تعكس عجز الدولة عن حماية أهلها، ودعا إلى سلطة وطنية تليق بتضحيات هذه المنطقة. وشدد على ضرورة استعادة الدولة قرارها السياسي، ورفض الاكتفاء بالمسكنات، داعياً إلى إنتاج قوة سياسية جديدة قادرة على الإنقاذ، والعمل الفعلي بدل الوعود والاستعراض. وختم بالتأكيد على أن المطلوب هو إنقاذ لبنان قبل أن يُستدرج إلى مشاريع الفتنة الدولية.
في خلاصة هذا اليوم اللبناني المضطرب، يبدو البلد عالقاً بين اتفاق بلا ضمانات وأزمة بلا أفق، وسط تصعيد أمني، توتر سياسي، وانهيار اقتصادي لا تتضح نهايته. وبين الأصوات الروحية التي تدعو إلى الشهادة والحكمة، والمواقف السياسية التي تتبادل الاتهامات، تبقى البلاد معلّقة على حبال الانتظار، بلا رؤية واضحة ولا قرار حاسم. وفيما تتسارع التطورات على الحدود، وتزداد الضغوط في الداخل، لا يزال اللبنانيون يعيشون يومياتهم بصمت قاسٍ، يأملون أن يلتقط لبنان فرصة النجاة قبل أن يتّسع الشرخ وتضيع آخر إمكانات الخلاص.



