أخباركم – أخبارنا
يشهد ريف الرقة ودير الزور اليوم تحولات دراماتيكية لا تقتصر شظاياها على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد لتعيد رسم خريطة القوى في سوريا برمتها. إن ما يواجهه الشمال والشرق السوري ليس مجرد زحف ميداني، بل هو مخاض سياسي عسير يضع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) أمام خيارات وجودية غير مسبوقة.
انهيار العقد الاجتماعي وواقعية الانسحاب (وجهة نظر د. مرشد اليوسف)
يرى د. مرشد اليوسف أن الهجوم العسكري للحكومة السورية على مناطق دير حافر ومسكنة لم يكن “القنبلة الحقيقية” في هذا الصراع، بل تمثلت المفاجأة الكبرى في الموقف الجمعي للمجالس العشائرية العربية وآلاف الموظفين المدنيين الذين اختاروا الانضمام إلى سلطة دمشق.
هذا التحول، بحسب اليوسف، يمثل انهياراً كاملاً للعقد الاجتماعي الذي قامت عليه “قسد” لسنوات. ويطرح اليوسف رؤية صريحة للحل تتمثل في:
• احترام خيار المكون العربي: بما أن العشائر والموظفين العرب في الرقة ودير الزور اختاروا العودة لدمشق، فعلى “قسد” أن تعتبر نفسها في حلّ من الشراكة السابقة.
• الانسحاب وإعادة التشكل: يرى الدكتور اليوسف ضرورة سحب كافة القوات من تلك المناطق، وحلّ “قسد” لنفسها لتعود إلى صفتها الأولى كـ “قوات حماية الشعب الكردي”.
• من الأممية إلى القومية: هذا التحول يعني التخلي عن “المشروع السياسي الأممي” والتركيز حصراً على الأهداف القومية والسياسية للكرد، والتفاوض مع دمشق لضمان حقوقهم الثقافية والسياسية ضمن إطار وطني.
غياب المبادرة وتحديات القيادة الجديدة (وجهة نظر د. حبيب إبراهيم)
من زاوية أخرى، يربط د. حبيب إبراهيم بين ما يجري في “روژئاڤا” وبين المتغيرات الإقليمية والدولية العميقة. فهو يرى أن القيادة الجديدة في دمشق نجحت في تسويق نفسها إقليمياً (عبر علاقات قوية مع السعودية والإمارات وقطر وتركيا) ودولياً (عبر التحركات الدبلوماسية لوزير الخارجية أسعد الشيباني).
ويشخص الدكتور إبراهيم مكامن الخلل في الموقف الكردي الحالي عبر عدة نقاط:
• الإخفاق في اقتناص اللحظة التاريخية: ينتقد إبراهيم “الإدارة الذاتية” لعدم مبادرتها بالتوجه إلى دمشق فور سقوط نظام بشار الأسد للمشاركة في صياغة المستقبل، بل انتظرت دعوةً أضعفت موقفها التفاوضي.
• التفتت السياسي الكردي: يشير إلى حالة “الفوضى العارمة” في الفضاء السياسي الكردي، والصدامات البينية (مثل الخلاف بين الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني، وتدخلات حزب العمال)، مما جعل القرار السياسي يخضع أحياناً للأهواء الشخصية بدلاً من المصلحة الاستراتيجية.
• الدعم الإقليمي لدمشق: يؤكد إبراهيم أن الدعم العربي الواسع للوضع الجديد في دمشق وضع الكرد في موقف معقد يتطلب رؤية سياسية تتجاوز ردود الأفعال اللحظية.
خلاصة المشهد: نحو واقعية سياسية جديدة
تتقاطع رؤى الدكتورين اليوسف وإبراهيم عند نقطة جوهرية: المشروع السياسي لـ “قسد” بصيغته الحالية يواجه طريقاً مسدوداً. فبينما يدعو اليوسف إلى “واقعية الانسحاب” والعودة للمربع القومي الصريح لحماية المكتسبات، يحذر إبراهيم من أن “غياب المبادرة” والتشتت الداخلي سيجعلان الكرد خارج دائرة صنع القرار في سوريا الجديدة.
إن التحدي الأكبر اليوم يكمن في مدى قدرة القوى الكردية على التحول من “قوة أمر واقع” إلى “شريك سياسي” يمتلك زمام المبادرة في دمشق، بعيداً عن أوهام المشاريع العابرة للحدود التي اصطدمت بصخرة التحولات الإقليمية الكبرى.



