كتب ابراهيم بيرم لـ “أخباركم – أخبارنا”
ثمة مواجهة صامتة وناعمة تدور رحاها في الاشهر الستة الاخيرة، بين الاسرائيلي من جهة وحزب الله من جهة اخرى، ميدانها الرئيسي نحو 10 بلدات امامية تمتد على طول الحدود بين لبنان والاراضي المحتلة، من الناقورة على الساحل (القطاع الغربي)، وصولاً الى الخيام في القطاع الشرقي، مروراً ببلدات تتبع صور مثل الضهيرة والبستان، وفي قرى من قضاء بنت جبيل مثل يارون ومارون الراس وعيترون، الى بلدات مرجعيون – حاصبيا مثل ميس الجبل وبليدا والعديسة وحولا.
وليس خافياً أنه محكوم على الحزب أن يخوض غمار هذه المواجهة بغير السلاح واستعراضات القوة، خصوصاً بعدما فقد قوة الردع التي ارتكز عليها طوال اكثر من 17 عاماً (من 2006 حتى 2023) في حرب الاسناد وقَبِل باتفاق وقف النار على عجل فأتى ملتبساً، وهو واقع حتم عليه الانتقال الى مواجهة مختلفة تعتمد القوة الناعمة واشكال تعد بدائية، لإثبات الحضور والحيلولة دون الوصول الى مرحلة الاستسلام واليأس.
وإذا كان سكان تلك المنطقة والذين يقدر عددهم بأكثر من 100 ألف نسمة، قد سكتوا على عملية تهجيرهم الطويلة نسبياً، وعضوا على جراحهم النازفة بفعل الواقع المرير الذي آلت اليه المنطقة بعد حرب الإسناد، فإن ثمة مخاوف لا تبارح خاطرهم من ان تكون رحلة خروجهم الاخيرة من ارضهم وممتلكاتهم، تحاكي رحلة تيه اللاجئين الفلسطينيين قبل نحو 74 عاماً، والتي كانت تلك البلدات الحدودية شاهدة حية عليها عندما عبروا فيها من منطقة الجليل الى الداخل اللبناني هاربين بأجسادهم، لكنهم مزودين بآمال العودة التي لم تتحقق لحد اليوم.
ولأن الحزب وجد أن عليه العمل بنحو أو بآخر لتبديد هواجس بيئته الحدودية المنكوبة، واقناعهم بشكل أو بآخر انه لن يقف مكتوفاً امام الامر الواقع المفروض بقوة الحديد والنار، كان لزاما عليه ان يبتدع اساليب مواجهة مختلفة، ولا بأس ان تكون ذات طابع “بدائي” يذكر بمراحل اواخر الستينات والسبعينات، كونها رمزية ومحدودة الاثر العملي.
الواضح حسب التقارير اليومية الواردة من تلك المنطقة (قرى الحافة الامامية) التي تجمع كل التقديرات على ان نسبة التهجير منها تتعدى 85 في المئة، وتذكر ايضاً بأن الاسرائيلي قد نجح في صد كل المحاولات التدريجية التي بذلها الاهالي والحزب وهيئات رسمية للعودة اليها.
من هنا، كانت المحطات الاولى للمواجهة بين القوة الاسرائيلية العدوانية التي تعمل للحؤول دون عودة الأهالي ولو بنسب متواضعة الى تلك البلدات التي استحالت بعد العام 2000 مدناً مصغرة بعدما اتسعت وانفلشت ونمت اقتصادياً وعمرانياً، وتسعى الى ابقائها بلا حياة وبلا دورة اقتصادية، وبين الحزب وحركة “أمل” ومؤسسات محلية ورسمية تدور في فلكها، افصحت مراراً عن رغبتها في ضخ انماط حيوية في تلك البلدات كفعل تحد للإسرائيلي.
وبناء عليه، اندلعت مواجهة مستمرة صامتة حتى الساعة بين الطرفين. فالإسرائيلي كما يقول احد نواب الجنوب الحدودي قاسم هاشم: “يعتمد اساليب متنوعة لقتل الحياة في تلك البلدات، فإسرائيل اضافت الى عمليات الاغتيال بالمسيرات وتدمير المنازل اشكال ترهيب اخرى في الآونة الاخيرة تبدو محدودة في الشكل لكنها عميقة مضموناً وابعاداً”.
استطرد هاشم: “على سبيل المثال، ورد في تقرير احصائي نشرته جهات مختصة مساء الجمعة الماضي، الوقائع الميدانية الاتية:
ان محلقة اسرائيلية القت قنبلة صوتية بالقرب من منزل في ساحة عيتا الشعب، وان عملية تمشيط بالاسلحة الرشاشة نفذها موقع الرادار تجاه محيط شبعا، فيما محلقة إسرائيلية أخرى القت قنبلة صوتية وسط العديسة، ومشط موقع المالكية المعادي بالرشاشات الثقيلة أطراف بلدة عيترون. بعدها، القت محلقة إسرائيلية قنبلة في محيط موقع الراهب في أطراف بلدة عيتا الشعب داخل الاراضي اللبنانية، واعقب ذلك تمشيط بالاسلحة الرشاشة من موقع الراهب الاسرائيلي باتجاه البلدة نفسها”.
ويضيف هاشم: “هذه اللائحة تظهر بجلاء طريقة الاحتلال في ترهيب الاهالي من جهة وتعطيل كل فرص في المنطقة من جهة أخرى. وتدل ايضاً على ان الاحتلال يوسع من مدى ارهابه الذي لا يقتصر على منطقة محدودة بل يطاول كل الجنوب في يوم واحد وهو نهج يتبعه منذ فترة، مضافاً اليه اخيراً التسلل الى البلدات، وتدمير منازل بعضها المدمر جزئيا وبعضها الآخر كلياً. حتى ان الاحصاءات تذكر على سبيل المثال، بأنه لم يعد في بلدتي العديسة وبليدا أي بيت، اضافة الى نصب اشراك في داخل الاحياء الداخلية للقرى، فيما الهدف واحد”.
ويذكر هاشم ان الوضع نفسه ينطبق على كفرشوبا التي تطلق المواقع في تلالها يومياً رشقات من الرصاص الثقيل على البلدة بقصد الترهيب وإلحاق الاذى والخراب.
حيال هذا النهج العدواني اليومي، اطلق الحزب وهيئات تابعة له، حملة مواجهة متدرجة كانت محطتها الاولى في البيوت الجاهزة التي دمر الاسرائيلي معظمها واوقف قوافلها منذ زمن بعيد، بعدما ارادها الحزب رأس جسر العودة اليها عبر جعلها مدارس ومقار بلديات وهيئات رسمية. ثم كان تشجيع الزيارات الاسبوعية للقرى المهجورة وتنظيم احتفالات دينية او غير دينية فيها، والاصرار على دفن الموتى في مقابرها. وقد كانت الخيام النموذج الامثل بفعل ساحتها العامة الواسعة ووجود مجتمع مدني ناشط ومنوّع طائفياً، علماً ان البلدة قد دمرت الى الامس ثلاث مرات.
وفي الآونة الأخيرة، أطلقت جمعيات تابعة للحزب عملية تشجيع الاسواق الاسبوعية في بلدات معينة اعتادت هذا النوع من التجارة، كما وزعت اغراس زيتون وصنوبر للاهالي الراغبين في اعادة احياء كرومهم المحترقة وكفعل صمود وتجذر بالأرض، خصوصاً في بلدة مارون الراس ذات الموقع الاستراتيجي.
وفي مرات عدة، حرصت الهيئات البلدية الدائرة في فلك الحزب على ابقاء وجود رمزي في بعض مقرات البلديات، لكن اغتيال اسرائيل للعامل في بلدية بليدا ابان نومه في مقرها غيّر المسار. واللافت ان الجيش كثف مشاركته في الموجهة عبر الانتشار الواسع من جهة، والتصدي لعمليات التسلل الإسرائيلي من جهة أخرى.
ويعد الحزب عبر مسؤوليه بالمزيد من هذه الافكار والتدابير تأكيداً للآتي:
- ليس من خضوع للأمر الواقع الذي تريده إسرائيل في المنطقة الحدودية خصوصاً، وهي تعلن تكراراً رفضها لأي انسحاب من التلال الست.
- ان الحزب ليس في وارد الاستسلام، بل انه مضطر الى تقديم ادلة وبراهين على انه لم يغادر الميدان، وانه ما زال قادراً على الفعل والابتكار.



