أخباركم – أخبارنا
تقرير لبنان الميداني
لم يعد جنوب لبنان مجرّد خط اشتعال متقطّع، بل ساحة مفتوحة على احتمالات أثقل من هدير الطائرات الذي مزّق ظهر الاثنين هدوء الليطاني ومحيطه.
الغارات الإسرائيلية التي طالت أنصار والزرارية ووادي جرجوع ومجرى الليطاني، لم تكن مجرّد «ردّ» أو «رسالة» بقدر ما أعادت خلط الأوراق الداخلية، ودفعت ملف «حصر السلاح» إلى الواجهة مجددًا، مع تسريبات عن توتّر بين حزب الله والجيش اللبناني حول انتشار الوحدات شمال الليطاني. مصادر صحافية تتحدث عن محاولة عرقلة تحرّك الجيش وتقييد وصوله إلى نقاط حسّاسة، فيما التزم الجيش الصمت، تاركًا الأسئلة معلّقة بين التكذيب والتأكيد.
بالتوازي، خرجت روايات متضاربة من كفرحتى بين نفي تام لأي احتكاك، وبين معلومات أمنية تربط التوتّر بغارات سابقة ومفاوضات ميدانية حول تفتيش مواقع قيل إنها تحتوي على أسلحة. هدوء البلدة، بحسب أهلها، لا يلغي شعورًا عامًا بأن الاحتقان يزداد تحت الرماد.
إسرائيليًا، استمرّت سياسة «الضغط بالنار» من الجنوب إلى الحدود الغربية، مع إعلان الجيش إطلاق النار على «مشتبه به» قرب السياج، في مشهد يوحي بتصعيد محسوب يوازيه تصعيد إعلامي. أفيخاي أدرعي، بلهجته الساخرة، اختار السخرية من «أبواق الحزب» على خلفية خطاب الشيخ نعيم قاسم الذي رفع سقف التهديد إلى حدّ الحديث عن «سقوط كل حجر» إذا استُكمل مشروع نزع السلاح.
وبعيدًا من الجبهة، يتفاعل ملف وفاة محمد حرقوص، حيث أكدت وزارة العدل أن التحقيقات تُتابع بجدّية وبعيدًا من التدخلات، في محاولة لطمأنة رأي عام أنهكته الوقائع الأمنية والسياسية المتسارعة.
فقد عاد جنوب لبنان إلى واجهة التصعيد مجددًا مع سلسلة غارات إسرائيلية اتّسع نطاقها الجغرافي خلال الساعات الماضية، وسط مناخ داخلي مضطرب تشكّل حول ملف «حصر السلاح» وتحرّكات الجيش اللبناني شمال الليطاني. هذا التشابك بين التصعيد الخارجي والاهتزاز الداخلي دفع بالمشهد الميداني إلى دائرة أكثر تعقيدًا، خصوصًا بعد تسرّب معلومات عن احتكاكات غير معلنة بين الجيش وحزب الله في مناطق تُعدّ حسّاسة ضمن خارطة السيطرة جنوب البلاد.
الغارات الإسرائيلية التي ضربت محيط أنصار وقلعة ميس ووادي برغز ومناطق في إقليم التفاح ومجرى الليطاني، بدت كعملية استهداف واسعة النطاق لا تكتفي بضرب مواقع مفترضة للحزب، بل تعتمد تكثيف الضربات المتتالية وتوزيعها الجغرافي بما يوحي بمحاولة فرض معادلة جديدة على الأرض. أصوات الانفجارات التي تردّد صداها في محيط النبطية وجزين وإقليم التفاح، ترافقت مع تحليق مكثّف للطيران الحربي والمسيّر فوق مناطق الجنوب والبقاع وصولًا إلى السماء المحاذية للضاحية الجنوبية، في مشهد يوحي بعمل استخباراتي منسّق يسبق أو يواكب الضربات الجوية.
في هذا الوقت، برزت تسريبات تناولت علاقة حزب الله بالجيش اللبناني. فبحسب مصادر قناة «الحدث»، فإن الحزب غيّر أسلوب تعاطيه الميداني مع وحدات الجيش، وحاول منعها من الوصول إلى مواقع محدّدة شمال الليطاني وُصفت بأنها «مستهدفة» أو موضع متابعة أمنية.
هذه المعلومات، رغم خطورتها، لم يواكبها أي تعليق رسمي من قيادة الجيش، ما أبقى المجال مفتوحًا أمام التأويلات. الحزب من جهته كان قد كرّر عبر مسؤوليه موقفه بأن اتفاق وقف النار محصور جنوب الليطاني ولا يلزمه بأي انتشار أو التزامات إضافية شماله، بل رفع سقف التهديد مؤخرًا على لسان الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، الذي لوّح بأن استكمال خطة نزع السلاح قد يدفع نحو سيناريو «لا يبقى فيه حجر على حجر».
تزامن ذلك مع تداول معلومات عن إشكال في بلدة كفرحتى بين مناصرين لحركة «أمل» وحزب الله على خلفية اتهامات متبادلة بتخزين أسلحة في أماكن سكنية. هذه الرواية لاقت صدى في بعض وسائل الإعلام، إلا أنّ مصادر أمنية أوضحت أن خلفية التوتّر تعود إلى غارة سابقة على البلدة، إذ حاول حزب الله حينها منع الجيش من تفتيش المبنى المستهدف وإزالة الأسلحة منه، ما أدى إلى حالة تلاسن بين مناصري الطرفين في اليوم التالي. رواية ثالثة صدرت من داخل البلدة نفسها عبر موقع «أبناء كفرحتى»، أكدت عدم حصول أي تضارب أو احتكاك اليوم، مشدّدة على أن الوضع هادئ وأن السكان حريصون على وحدتهم الداخلية رغم حساسية المرحلة.
على الضفة المقابلة، يستكمل الجيش الإسرائيلي نهج التصعيد المدروس، إذ أعلن متحدثه استهداف مواقع و«فتحات أنفاق» ومعسكرات للحزب، مؤكدًا أنّ الهجمات ستتواصل لإزالة أي تهديد، وأن رصد نشاط «غير معتاد» خلال الأشهر الماضية دفع إلى تكثيف الضربات.
بالتزامن، ألقت طائرة مسيّرة إسرائيلية قنبلة صوتية فوق بلدة الضهيرة في قضاء صور، فيما تعرّض محيط قطيع ماشية في مزرعة سردا لإطلاق نار مصدره دبابة متمركزة داخل موقع إسرائيلي مستحدث في تلة الحمامص، في إشارة إضافية إلى أنّ الاحتكاكات الحدودية لا تقتصر على الاستهدافات الجوية، بل تمتد إلى عمليات ترهيب ميدانية مباشرة.
وفي خطوة لافتة في توقيتها، أعلن الجيش الإسرائيلي مساء الأحد إطلاق النار على شخص وصفه بـ«المشتبه به» أثناء اقترابه من السياج الحدودي في جنوب غرب لبنان. البيان أشار إلى تنفيذ هجوم مشترك باستخدام قذائف دبابة ونيران مروحية، في عملية اعتبرها الجيش جزءًا من «القضاء على التهديد». اللافت أن العملية بقيت مفتوحة، وفق تعبير المتحدث العسكري، وسط متابعة مستمرة للموقع من دون صدور أوامر استثنائية للمستوطنين، ما يوحي بأن الحادثة قد تكون مرسومة ضمن إطار اختبار قواعد الاشتباك.
المشهد الإعلامي لم يكن أقلّ حدّة، إذ ظهر المتحدث الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في فيديو عبر منصاته الرسمية مستخدمًا جزءًا من أغنية هيفا وهبي «بدنا نروق» ليقدّم رسالة هجومية ذات طابع ساخر. خاطب ما سماهم «أبواق الحزب» بلهجة لبنانية، معتبرًا أن «العجز انكشف» وأن رفع الصوت لم يعد مفيدًا، قبل أن يختتم برسالة حادة تدعو خصومه إلى «السكوت لإنقاذ ما تبقى من الهيبة»، في رد مباشر على خطاب الشيخ نعيم قاسم قبل أقل من 24 ساعة. هذا التراشق الإعلامي يعكس حجم التوتر الذي يتجاوز البعد العسكري إلى حرب معنويات ونفسية قد تكون مقدّمة لمرحلة أشد صخبًا.
وفي زاوية أخرى من المشهد اللبناني الداخلي، برز تطوّر غير مرتبط بالجبهة الجنوبية لكنه يحظى باهتمام شعبي واسع، وهو ملف وفاة الشاب محمد حرقوص. وزارة العدل أصدرت بيانًا أكدت فيه أن التحقيقات تجري بمتابعة دقيقة من القضاء المختص وبإشراف وزير العدل هنري خوري، مع تأكيد على إبعاد الملف عن أي تدخّل سياسي أو ضغوط من أي نوع. الوزارة شددت على أن القضاء مصمم على كشف الحقيقة كاملة واتخاذ الإجراءات اللازمة وفق الأصول، في محاولة واضحة لطمأنة الرأي العام ومنع انزلاق الملف نحو توترات اجتماعية أو سياسية إضافية.



