الثلاثاء, يونيو 9, 2026
28.5 C
Beirut

الموت بردًا داخل الخيام: حين يصبح الشتاء قاتلًا لأطفال غزة … 100 يوم على وقف إطلاق النار: 483 شهيدًا و1,300 خرق في قطاع غزة … وعدوان متواصل على المنطقة الجنوبية بالخليل … وضابط إسرائيلي يجتمع مع رجال العشائر

نشرت في

أخباركم – اخبارنا
تقرير فلسطين الميداني

في غزة، وفي خيمة لا تقي من الريح ولا من البلل، نامت رضيعة فلسطينية ليلتها الأخيرة. لم يكن البرد مجرّد طقس عابر، بل قاتلًا صامتًا تسلّل إلى جسدها الصغير حتى توقّف قلبها. مع كل منخفض قطبي جديد يضرب قطاع غزة، يتحوّل الشتاء إلى تهديد مباشر لحياة الأطفال الرضع، في واقع إنساني قاسٍ جعل الدفء حلمًا مستحيلًا.

فجر الثلاثاء، توفيت الرضيعة شذى أبو جراد (6 أشهر) من حي الدرج شرقي مدينة غزة، نتيجة البرد الشديد، لترتفع حصيلة وفيات الأطفال بسبب انخفاض الحرارة منذ بداية الشتاء إلى 9 أطفال، وفق مصادر طبية لـ”الترا فلسطين”.

رئيس قسم الحضانة والأطفال في مستشفى ناصر بخانيونس، د. أحمد الفرا، يوضح أن الرضع أكثر الفئات هشاشة أمام البرد، لافتقارهم للنسيج الدهني الكافي، ولمحدودية مخزون الطاقة، إضافة إلى عدم قدرتهم على التعبير عن شعورهم بالبرد. ومع انخفاض حرارة الجسم، خاصة ليلًا، يدخل الطفل سريعًا في مرحلة خطرة قد تنخفض فيها الحرارة إلى ما بين 31 و33 درجة مئوية.

عند هذا الحد، يحاول الجسم حماية القلب والدماغ عبر تقليص تدفق الدم إلى الأطراف، ما يؤدي إلى ركود في الدورة الدموية، واضطراب في نبض القلب، وقد ينتهي بتوقّف مفاجئ للقلب. ويؤكد الفرا أن كثيرًا من الأطفال الذين توفوا كانوا يرتدون ملابس وبطانيات، لكن الخطر الحقيقي يكمن في الخيام المكشوفة للرطوبة والرياح، خاصة في مناطق النزوح.

ويحذّر من التأخير في نقل الطفل إلى المستشفى، مشددًا على أن انخفاض حرارة جسم الرضيع حالة طبية طارئة لا تحتمل الانتظار.

في الوقاية، دعا الفرا إلى عزل الرضيع عن أرضية الخيمة، وإغلاق الفتحات، والحفاظ على جفاف الطفل، وزيادة طبقات الملابس، مع تغطية الرأس والأطراف. كما شدّد على أهمية الرضاعة الطبيعية والتلامس الجسدي، والتنبيه الفوري لأي خمول أو برودة شديدة، والتوجّه العاجل إلى المستشفى.

بدوره، حذّر الدفاع المدني من وفيات إضافية بين الأطفال وكبار السن، في ظل موجة برد قاسية ونقص حاد في وسائل التدفئة، مؤكدًا أن الخيام المهترئة لم تعد قادرة على حماية ساكنيها من الموت البارد.

ميدانيا، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي انتهاك الاتفاق في قطاع غزة بشكل ممنهج، بالتوازي مع تصعيد ميداني واسع في الضفة الغربية، يعكس سياسة قائمة على الإخضاع الجماعي والعقاب الجماعي، ويُبقي المشهد الفلسطيني مفتوحًا على مزيد من التدهور الإنساني والأمني.

ففي قطاع غزة، واصل الاحتلال منذ دخول قرار وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 وحتى اليوم، ارتكاب خروقات جسيمة للاتفاق، بلغ عددها نحو 1300 خرق، وفق ما أكده المكتب الإعلامي الحكومي في بيان وصل “وكالة سند للأنباء”. وأوضح البيان أن هذه الخروقات تنوّعت بين إطلاق نار مباشر، وقصف واستهداف، وتوغلات عسكرية، ونسف منازل، في انتهاك واضح لنصوص الاتفاق ومبدأ حماية المدنيين.

وبحسب البيان، ارتكب الاحتلال خلال 100 يوم من الهدنة 430 حالة إطلاق نار، و66 توغلًا للآليات العسكرية داخل الأحياء والمناطق السكنية، و604 حالات قصف واستهداف، إضافة إلى 200 عملية نسف لمنازل ومبانٍ مختلفة. وأسفرت هذه الانتهاكات عن استشهاد 483 فلسطينيًا، بينهم 252 من الأطفال والنساء والمسنين، بنسبة 52%، فيما شكّل المدنيون 92% من إجمالي الشهداء. كما استشهد 465 شخصًا داخل الأحياء السكنية وبعيدًا عن الخط الأصفر، بنسبة 96%، ما يعكس استهدافًا مباشرًا لمناطق يفترض أنها محمية بموجب الاتفاق.

ولم تقتصر الخسائر على الشهداء، إذ بلغ عدد المصابين 1287، من بينهم 752 طفلًا وامرأة ومسنًا، بنسبة 58%، فيما بلغت نسبة المدنيين من المصابين 99.2%، وجميعهم استُهدفوا داخل الأحياء السكنية. كما اعتقل الاحتلال 50 مواطنًا، جرى توقيفهم جميعًا بعيدًا عن الخط الأصفر ومن داخل المناطق المأهولة.

وعلى الصعيد الإنساني، أشار المكتب الإعلامي إلى أن الاحتلال لم يلتزم ببنود إدخال المساعدات كما نصّ عليها الاتفاق، إذ سُمح بدخول 25,816 شاحنة فقط من أصل 60 ألف شاحنة متوقعة، بنسبة التزام لم تتجاوز 43%. ومن بين هذه الشاحنات، دخلت 15,163 شاحنة مساعدات إنسانية (59%)، مقابل 10,004 شاحنات تجارية (39%)، و649 شاحنة وقود فقط، أي بنسبة 2.5% من أصل 5 آلاف شاحنة وقود مفترض إدخالها، وبمعدل 261 شاحنة يوميًا بدلًا من 600.

وأكد البيان أن الاحتلال لم يُدخل المواد اللازمة لصيانة البنية التحتية، ولا المعدات الثقيلة المطلوبة لعمل الدفاع المدني وإزالة الأنقاض وانتشال جثامين الشهداء، إضافة إلى استمرار منع إدخال المستلزمات الطبية والأدوية الأساسية. كما لم يُفتح معبر رفح بشكل كامل، ولم تُحترم ملفات الشهداء والمصابين والمعتقلين والمفقودين، فضلًا عن عدم إدخال الخيام والبيوت المتنقلة اللازمة لإيواء مئات آلاف النازحين، وعدم تشغيل محطة توليد الكهرباء.

وشدّد المكتب الإعلامي على أن استمرار هذه الخروقات يمثّل التفافًا خطيرًا على اتفاق وقف إطلاق النار، ويهدف إلى فرض معادلة إنسانية قائمة على التجويع والابتزاز والإخضاع، محمّلًا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تدهور الوضع الإنساني واستمرار نزيف الأرواح وتدمير الممتلكات، وداعيًا الجهات الراعية للاتفاق، وعلى رأسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها كاملة دون انتقاص.

وفي الضفة الغربية، تزامن هذا المشهد مع تصعيد عسكري واسع في مدينة الخليل، حيث واصلت قوات الاحتلال، امس الثلاثاء، عدوانها على المنطقة الجنوبية من المدينة لليوم الثاني على التوالي، وسط انتشار عسكري كثيف، واقتحام منازل، وفرض إجراءات مشددة شملت إغلاق أحياء كاملة ومنع التجول، ما أدى إلى شلل شبه تام في الحياة اليومية لنحو 40 ألف مواطن.

وأفادت مصادر محلية بأن قوات الاحتلال عززت وجودها في أحياء عدة، واقتحمت عشرات المنازل وفتشتها، وأخضعت السكان لتحقيقات ميدانية، واعتقلت عشرات الشبان قبل الإفراج عن بعضهم لاحقًا. كما أغلقت الشوارع الرئيسية بوابات حديدية، والشوارع الفرعية بسواتر ترابية ومكعبات إسمنتية وحتى بسيارات المواطنين، ما أدى إلى توقف الحركة التجارية، وإغلاق المؤسسات والمدارس، وتعطّل وصول الخدمات الأساسية.

وفي تطور لافت، كشفت مصادر أن ضابطًا من “الإدارة المدنية” التابعة للاحتلال عقد اجتماعًا ضم نحو 20 من رؤساء العشائر وممثليها في المنطقة الجنوبية، وهدّدهم بإغلاق المنطقة لمدة عام كامل في حال عدم تسليم جميع قطع السلاح، في خطوة اعتُبرت ضغطًا جماعيًا يتجاوز التعامل مع أطراف النزاع المباشرين.

وكان الجيش الاسرائيلي أعلن، يوم الاثنين، بدء عملية عسكرية في الخليل قال إنها ستستمر عدة أيام، بمشاركة “الشاباك” وحرس الحدود، مبررًا ذلك بما وصفه “تقديرات أمنية” حول تصاعد ظاهرة السلاح والنزاعات العشائرية. غير أن صحفيين ونشطاء في المنطقة اعتبروا أن الإجراءات المتخذة أكبر بكثير من هذه الذرائع.

وقال الصحفي أحمد الرجبي إن المنطقة تعيش شللًا كاملًا، موضحًا أن المخابز أغلقت، والمواطنين يبحثون عن الخبز ولا يجدون قوت يومهم، فيما علقت سيارة إسعاف على أحد الحواجز لأكثر من ساعة. وأشار إلى أن المناطق المغلقة تشمل جبل جوهر، والكسارة، والمنطقة الصناعية، والصرصورية، ومنطقة مسجد الشهداء، والإخوة، وأبو الريش.

من جانبه، أوضح رجل الإصلاح الشيخ حمودة جابر أن أصل المشكلة يعود إلى نزاع عائلي قديم تطور إلى أعمال عنف واسعة خلال الشهر الأخير، مشيرًا إلى أن الخسائر المادية قُدّرت بنحو 30 مليون شيقل، وأن جميع محاولات الصلح فشلت حتى الآن.

هكذا، تتقاطع خروقات الهدنة في غزة مع الحصار والعقاب الجماعي في الخليل، في مشهد يعكس سياسة إسرائيلية واحدة، عنوانها تقويض أي استقرار ممكن، وترك المدنيين الفلسطينيين عالقين بين النار والحصار.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

غسّان الرفاعي و«اليسار الحقيقي واليسار المغامر»: سجال المرحلة لا سجال الأشخاص!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يستمر الرفيق محمد الصعيدي، بكرمٍ لا ينقطع، في مدّي...

في ذكراه، محسن إبراهيم: فطنة المناضل ودعابة المفكر!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ليس سهلاً أن تكتب عن دعابات محسن إبراهيم. فالرجل الذي...

صوت هادر من أجل الكرامة السيادية!

أخباركم - أخبارنا/ توفيق الشعار في لحظة تشهد أزمة إقليمية عميقة، قدم الرئيس اللبناني جوزاف...

الشيخ إمام: صوت العميان الذي أبصر خديعة السلطة وجرح فلسطين

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد أكثر من مطرب كان الشيخ إمام محمد أحمد عيسى، في...

More like this

الضربة المحدودة في إيران: هل خالف نتنياهو ترامب أم نجحت طهران في تفجير الخلاف بين الحليفين؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد لم تكن الضربة الإسرائيلية المحدودة في إيران مجرد تفصيل...

كرد سوريا بين تبعية القيادات ورمزية التمثيل!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد أكراد سوريا اليوم يضيعون بين مجلس وطني كردي ينقصه...

الطب في كوبا: من حقّ اجتماعي إلى رسالة أممية!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد حين نتحدث عن كوبا، لا نتحدث فقط عن جزيرة...