أخباركم – أخبارنا
تقرير سوريا
تشهد سوريا واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، في ظل تزامن تطورات ميدانية متسارعة شمال وشرق البلاد مع حراك سياسي ودبلوماسي واسع النطاق، أعقب الإعلان عن التوصل إلى تفاهم جديد بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).
هذا التفاهم، الذي شمل وقفًا لإطلاق النار ومنح مهلة زمنية للاندماج ضمن مؤسسات الدولة، جاء بعد عملية عسكرية واسعة نفذها الجيش السوري، أعادت السيطرة الحكومية على مساحات كبيرة شرق نهر الفرات، ووضعت مستقبل الوجود العسكري والإداري لـ«قسد» أمام اختبار حاسم.
وترافقت هذه التطورات مع سلسلة اتصالات إقليمية ودولية غير مسبوقة، شملت الولايات المتحدة وتركيا والعراق وقطر، وسط مؤشرات واضحة على إعادة صياغة المقاربة الدولية للملف السوري، ولا سيما في ما يتعلق بدور «قسد»، وملف مكافحة تنظيم داعش، ومستقبل الإدارة الأمنية في شمال شرقي البلاد، في ظل تأكيد متزايد على وحدة سوريا ورفض مشاريع التقسيم أو الفيدرالية السياسية.
المشهد الميداني شرق الفرات… عودة الدولة إلى مساحات استراتيجية
تقدم عسكري واسع بعد تعثر التفاهمات السابقة
خلال الأيام الماضية، أطلق الجيش العربي السوري عملية عسكرية موسعة في مناطق شمال وشرق البلاد، تمكن خلالها من استعادة السيطرة على مساحات واسعة تمتد من أرياف الرقة وصولًا إلى مناطق متاخمة للحدود التركية، في تطور ميداني وُصف بالأكبر منذ سنوات في تلك الجغرافيا.
وبحسب الرواية الرسمية، جاءت هذه العملية بعد سلسلة خروقات متكررة من قبل «قسد» لاتفاقات سابقة موقعة مع الحكومة السورية قبل نحو عشرة أشهر، تضمنت انسحابًا مرحليًا وتسليم عدد من المواقع والمؤسسات، إضافة إلى التنسيق في ملفات أمنية حساسة، إلا أن دمشق اتهمت «قسد» بالتنصل من تنفيذ بنود تلك الاتفاقات.
أهمية المناطق المستعادة
تحمل المناطق التي عاد الجيش السوري للسيطرة عليها أهمية استراتيجية كبيرة، سواء من حيث موقعها الجغرافي شرق نهر الفرات، أو من حيث مواردها الاقتصادية، ولا سيما في محيط الرقة ودير الزور، فضلًا عن كونها تشكل عقدة وصل بين الشمال الشرقي والعمق السوري.
ويرى مراقبون أن هذا التقدم أعاد رسم خارطة السيطرة، وفرض واقعًا ميدانيًا جديدًا مهّد للتفاهم السياسي اللاحق، وقلّص هامش المناورة أمام «قسد».
تفاهم دمشق – «قسد»… وقف النار ومهلة الاندماج
إعلان رسمي عن تفاهم جديد
أعلنت رئاسة الجمهورية السورية التوصل إلى «تفاهم مشترك» مع «قوات سوريا الديمقراطية» حول عدد من القضايا المتعلقة بمستقبل محافظة الحسكة، التي تعد من أكثر المحافظات السورية تعقيدًا من حيث التركيبة السكانية والواقع الأمني.
ويشمل التفاهم وقفًا لإطلاق النار في جميع قطاعات العمليات العسكرية، ومنح «قسد» مهلة أربعة أيام للتشاور الداخلي ووضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق والمؤسسات العسكرية والإدارية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وقف إطلاق النار: تفاصيل وتوقيت
أوضحت وزارة الدفاع السورية أن وقف إطلاق النار دخل حيّز التنفيذ اعتبارًا من الساعة الثامنة مساء يوم الثلاثاء 20 كانون الثاني 2026، ويستمر لمدة أربعة أيام، في إطار الالتزام بالتفاهمات المعلنة وحرصًا على إنجاح الجهود الوطنية المبذولة.
وأكدت الوزارة أن القرار يشمل جميع المحاور وقطاعات العمليات العسكرية دون استثناء، مع التشديد على الجاهزية الكاملة للتعامل مع أي خروقات محتملة.
خطاب الدولة… الأكراد شركاء في الوطن
وزارة الدفاع: رسالة تطمين سياسية ومجتمعية
في كلمة مرئية، شدد المتحدث باسم وزارة الدفاع السورية، العميد حسن عبد الغني، على أن «أهلنا الكرد في سوريا هم جزء أصيل من الشعب السوري»، مؤكدًا التزام الدولة بحمايتهم، وصون ممتلكاتهم، وتأمين حقوقهم الكاملة في إطار الدولة الواحدة.
وأضاف أن المرسوم رقم 13 يشكل خطوة قانونية واضحة باتجاه إعادة الحقوق، ويعكس إرادة سياسية لمعالجة الملفات العالقة بالحوار لا بالقوة.
رفض التقسيم والتأكيد على الحل السلمي
وأكد عبد الغني حرص الدولة السورية على التوصل إلى حل سلمي يحفظ وحدة البلاد وسيادتها، مشددًا على أن الخيار العسكري ليس هدفًا بحد ذاته، وإنما وسيلة أخيرة لفرض الاستقرار وحماية السلم الأهلي.
واشنطن تدخل بقوة… اتصال ترامب بالشرع وتحول في المقاربة
اتصال غير مسبوق ودلالات سياسية
في تطور لافت، تلقى الرئيس السوري أحمد الشرع اتصالًا هاتفيًا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جرى خلاله بحث عدد من الملفات الحساسة، أبرزها وحدة سوريا، وضمان حقوق السوريين الأكراد، والتعاون في مكافحة تنظيم داعش.
ووصف ترامب نظيره السوري بأنه «رجل قوي وصلب ويعمل بجد»، في تصريح اعتبره مراقبون مؤشرًا على تحول نوعي في الخطاب الأميركي تجاه دمشق.
ملف السجون وداعش في صلب النقاش
وبحسب مصادر مطلعة، ركز الاتصال بشكل خاص على ملف السجون التي تضم آلافًا من عناصر تنظيم داعش، إضافة إلى المخيمات التي تؤوي عائلاتهم، في ظل استعداد الحكومة السورية لتولي هذا الملف بشكل كامل، بدعم أو تنسيق دولي.
المبعوث الأميركي… «مهمة قسد انتهت»
قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، في منشور لافت، إن «الغاية الأصلية لقسد بوصفها القوة الأساسية على الأرض لمكافحة داعش انتهت إلى حد كبير»، معتبرًا أن دمشق باتت الآن راغبة وقادرة على تولي المسؤوليات الأمنية.
وأضاف أن عرض الاندماج الذي تقدمه الحكومة السورية، مع ضمان حقوق المواطنة والحماية الثقافية والمشاركة السياسية، يمثل «أعظم فرصة» للأكراد في سوريا.
تراجع الالتزام الأميركي
وأشار براك إلى أن الولايات المتحدة لا ترى مصلحة طويلة الأمد في الاحتفاظ بوجودها العسكري في سوريا، في ما اعتبره مراقبون تمهيدًا لتقليص أو إنهاء الدعم العسكري والمالي لـ«قسد».
أردوغان: نزع السلاح هو السبيل الوحيد
رحّب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باتفاق وقف إطلاق النار، داعيًا «قسد» إلى إلقاء السلاح فورًا وحل صفوفها.
وحذر أردوغان من أن أي استفزازات جديدة ستُعتبر «محاولة انتحار»، مؤكدًا أن استمرار وجود «قسد» في المناطق المحاصرة لم يعد ممكنًا.
دعم العمليات العسكرية السورية
وهنأ أردوغان الحكومة السورية على العمليات العسكرية التي نفذها الجيش مؤخرًا، مؤكدًا أن أنقرة تدعم قيام دولة سورية موحدة ومستقلة وخالية من الإرهاب.
دعم إقليمي واسع… العراق وقطر وكردستان العراق
بحث الرئيس السوري مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أمن الحدود المشتركة، وفتح المعابر، وملاحقة فلول تنظيم داعش.
وأكد السوداني دعم بلاده لأمن سوريا واستقرارها، وأهمية الحوار وضمان حقوق جميع مكونات الشعب السوري.
قطر: دعم المسار السياسي
من جهته، ناقش أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني مع الرئيس السوري دعم مسارات السلام والاستقرار السياسي عبر الحوار والحلول السلمية التي تحفظ وحدة البلاد وسيادتها.
البارزاني: دعم للتفاهم
كما أعلن رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق مسعود البارزاني دعمه للتفاهم بين الحكومة السورية و«قسد»، معتبرًا أن الحوار هو الطريق الأمثل للاستقرار.
مخيم الهول… انتشار الجيش واستلام المخيم
غداة إعلان «قسد» انسحابها من مخيم الهول، انتشرت قوات الجيش السوري داخل المخيم، الذي يضم نحو 24 ألف شخص، بينهم أكثر من 6 آلاف أجنبي من نساء وأطفال من 42 جنسية.
مفاوضات مع التحالف الدولي
وأكدت مصادر سورية أن التحالف الدولي أجرى مفاوضات مع دمشق لضمان انتقال سلس للسيطرة على المخيم، بما يمنع أي مخاطر أمنية أو حالات فرار.
رفض «المساومة السياسية»
وشددت وزارة الدفاع السورية على رفضها استغلال ملف السجناء والمخيمات كورقة ضغط سياسية، معتبرة أن هذا الملف يجب أن يُدار حصريًا من قبل الدولة.
مهلة أخيرة ومرحلة حاسمة .. أربعة أيام فاصلة
منحت الحكومة السورية «قسد» مهلة أربعة أيام لوضع خطة واضحة للاندماج، محذرة من أن عدم الالتزام سيؤدي إلى دخول الجيش مدينتي الحسكة والقامشلي.
موقف «قسد»
في المقابل، أكدت «قسد» التزامها بوقف إطلاق النار، وتعهدت بعدم خرق الاتفاق ما لم تتعرض لهجوم.
سوريا أمام مفترق تاريخي
تعكس هذه التطورات دخول سوريا مرحلة مفصلية جديدة، تتقاطع فيها التحولات الميدانية مع إعادة التموضع الدولي والإقليمي، في ظل تراجع الرهان على الكيانات المسلحة غير الحكومية، وتصاعد الدعوات إلى إعادة توحيد البلاد تحت سلطة الدولة المركزية.
وبينما تبقى نتائج التفاهم مرهونة بالتنفيذ العملي، يرى مراقبون أن ما يجري قد يشكل بداية لإغلاق أحد أعقد ملفات الصراع السوري، وفتح الباب أمام مرحلة إعادة بناء سياسية وأمنية، عنوانها وحدة الدولة واستعادة السيادة.



