أخباركم – أخبارنا / تقرير إيران/ مسعود محمد
منطق حافة الهاوية
بلغ التوتر بين واشنطن وطهران في يناير 2026 ذروته التاريخية، حيث لم تعد لغة الدبلوماسية التقليدية هي السائدة، بل حلّت محلها “دبلوماسية التهديد الوجودي”. ورغم ضجيج الطائرات ووعيد “المحو”، تؤكد المعطيات أن الجانبين يخوضان أعنف جولة مفاوضات “غير مباشرة” تحت ستار التهديد العسكري الشامل.
أولاً: بنك التهديدات الأمريكية (عقيدة المحو والاستهداف)
دخل الرئيس دونالد ترامب عامه الثاني في الولاية الثانية باستراتيجية “الضغط الأقصى العنيف”، والتي شملت:
- خيار “المحو من الأرض”: صرح ترامب في 20 يناير 2026 بأنه أصدر تعليمات عسكرية بمحو إيران بالكامل في حال تعرضه لأي محاولة اغتيال، مؤكداً أن الرد لن يكون محدوداً بل سيستهدف “كيان الدولة”.
- الخطوط الحمراء الميدانية: ربط ترامب التدخل العسكري المباشر بوقوع “مجازر” بحق المتظاهرين في الداخل الإيراني أو تنفيذ إعدامات جماعية، مما يضع شرعية النظام الإيراني تحت المجهر الأمريكي.
- التحشيد العسكري: تحركت حاملة الطائرات “أبراهام لنكولن” نحو بحر العرب، لتعزيز الوجود الأمريكي وفرض واقع عسكري ضاغط.
ثانياً: الرد الإيراني (عقيدة الحرب الشاملة والجهاد)
ردت طهران بخطاب تصعيدي يهدف إلى رفع “كلفة الحرب” على واشنطن وحلفائها: - إعلان الحرب الشاملة: حذر الرئيس مسعود بزشكيان من أن المساس بالمرشد الأعلى علي خامنئي يعني “إعلان حرب” لن تتوقف عند حدود.
- خيار “الجهاد”: لوحت القيادات العسكرية (الحرس الثوري) بالدعوة للجهاد العام وتفعيل كافة “أذرع المقاومة” في المنطقة لضرب المصالح الأمريكية.
- الرد العابر للحدود: هدد العميد أبو الفضل شكارجي بـ “إحراق المصالح المعادية” وقطع اليد التي تمتد لإيران، كإشارة لضرب القواعد الأمريكية في المنطقة.
ثالثاً: المواقف الإقليمية (بين التحفيز والتحذير)
تتحرك القوى الإقليمية في المنطقة كـ “ممتص صدمات” أو “محفز”: - إسرائيل: تتبنى موقفاً هجومياً، حيث رفعت جاهزيتها القصوى وتدفع واشنطن لاستغلال “الضعف الداخلي” الإيراني لتوجيه ضربة قاصمة للبرنامج النووي.
- السعودية ودول الخليج: تتبع استراتيجية “الحياد النشط”؛ حيث رفضت استخدام أجوائها لشن هجمات، وتقود (عبر قطر وعمان) وساطة مكثفة لنزع فتيل الانفجار الذي قد يدمر أسواق الطاقة العالمية.
- تركيا والعراق: يسعيان للنأي بالنفس، خوفاً من موجات نزوح بشرية أو تحول أراضيهما لساحة تصفية حسابات بالوكالة.
رابعاً: التحليل السياسي (التفاوض تحت النار)
من البديهي أن هذا التصعيد لا يهدف للحرب بحد ذاتها، بل هو تحسين لشروط التفاوض المستمر: - المسار السري: أكد ترامب وجود اتصالات ومحاولات إيرانية للاجتماع، مما يشير إلى أن “خلايا التفاوض” تعمل بكد خلف الكواليس.
- المقايضة الكبرى: تسعى واشنطن لمقايضة “الأمن الوجودي للنظام” بتنازلات نووية وإقليمية كاملة، بينما تسعى طهران لمقايضة “التهدئة الإقليمية” برفع العقوبات وضمانات البقاء.
الخلاصة: المنطقة تعيش لحظة “عض أصابع” دولية. ترامب يستخدم “المطرقة” (تهديد المحو) لإجبار طهران على الانصياع، وإيران تستخدم “الدرع” (تهديد الجهاد والفوضى) لمنع الضربة. المفاوضات مستمرة، لكنها تجري هذه المرة فوق فوهة بركان.



