أخباركم – أخبارنا
تقرير لبنان الميداني
لم تكن الغارات الإسرائيلية اليوم مجرّد رسائل نارية عابرة، بل جاءت كترجمة ميدانية مباشرة لتحوّل خطير في قواعد الاشتباك، عنوانه توسيع بنك الأهداف شمال نهر الليطاني، وكسر عملي لأي التباس حول حدود الاتفاقات غير المعلنة. فمن قناريت إلى أنصار، ومن الكفور إلى جرجوع والبازورية والزهراني، تمدّد القصف بوتيرة عنيفة، ترافق مع إنذارات متلاحقة، واغتيالات دقيقة، واستهدافات طالت مدنيين وصحافيين ومبانٍ سكنية، في مشهد أعاد الجنوب إلى دائرة النار المفتوحة.
إسرائيل، عبر لسان متحدثها العسكري، لم تكتفِ بالإعلان عن اغتيال ضابط ارتباط في حزب الله، بل ذهبت أبعد من ذلك، متهمة الحزب باستخدام القرى والممتلكات الخاصة كغطاء لبنى عسكرية، ومعتبرة أن ما يجري خرق صريح للتفاهمات القائمة. وفي الميدان، جاءت الغارات التحذيرية والتدميرية لتؤكد أن القرار اتُّخذ: لا خطوط حمراء بعد اليوم، ولا حصر للنار جنوب الليطاني، بل استهداف مباشر لأي نقطة تُصنَّف ضمن ما تعتبره تل أبيب إعادة تموضع أو ترميم بنية قتالية.
في المقابل، يواصل حزب الله سياسة التحدي والإنكار، غير آبه بحجم الكلفة التي تُدفع يوميًا من الحجر والبشر. تعنّتٌ يفتح البلدات الجنوبية على احتمالات التدمير الشامل، ويضع ما تبقى من عمران – يُقدَّر بمئات المباني – في مرمى الضربات المقبلة، وسط عجز رسمي عن فرض حماية أو تحييد المدنيين، وتآكل تدريجي لأي هامش أمان.
هكذا، لا يبدو الجنوب أمام تصعيد عابر، بل أمام مرحلة أكثر خطورة، حيث تتحول القرى إلى ساحات مفتوحة، والاتفاقات إلى نصوص بلا قيمة، فيما يدفع الأهالي والصحافيون ثمن نار تتقدّم بلا ضوابط.
ففي تصعيدٍ جديد يوسّع دائرة النار جنوبًا ويثبّت معادلة الميدان المفتوح، واصلت إسرائيل اعتداءاتها الجوية والبرية على عدد من القرى والبلدات اللبنانية، متجاوزة عمليًا الخط الفاصل عند نهر الليطاني، ومؤكدة أن وتيرة العمليات لم تعد محكومة بسقف جغرافي أو سياسي واضح، في وقت تتزايد فيه الخسائر المدنية، ويُدفع بالاستقرار الهش نحو مزيد من التآكل.
قيادة الجيش اللبناني حذّرت بوضوح من خطورة هذا المسار، معتبرة أن الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، وآخرها استهداف مبانٍ ومنازل مدنية في قرى الجنوب، تشكّل خرقًا فاضحًا للسيادة اللبنانية ولوقف الأعمال العدائية وللقرار 1701. وأكدت أن هذه الهجمات تعيق جهود الجيش وتعرقل تنفيذ خطته الميدانية، وتؤدي إلى ترهيب المدنيين وسقوط شهداء وجرحى، فضلًا عن تهجير عشرات العائلات التي فقدت منازلها، ما ينعكس سلبًا على الاستقرار في المنطقة برمتها.
في المقابل، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي اغتيال شخص قال إنه يشغل منصب ضابط ارتباط لحزب الله في بلدة يانوح الجنوبية، متهمًا إياه بإدارة نشاط الحزب داخل الحيّز المدني واستغلال الممتلكات الخاصة لترسيخ بنى عسكرية في مناطق مأهولة. وذهب أدرعي أبعد من ذلك، متحدثًا عن حادثة سابقة تتعلق بمستودع أسلحة في يانوح، زاعمًا أن عناصر الحزب منعوا الجيش اللبناني من تفكيك البنية العسكرية، وأنه جرى نقل وسائل قتالية من الموقع خلال وجود الجيش، قبل توثيقه على أنه خالٍ من السلاح. واعتبر أن هذه الأنشطة تشكّل خرقًا للتفاهمات القائمة، مؤكدًا استمرار العمليات الإسرائيلية بذريعة إزالة التهديدات.
ميدانيًا، ترافق هذا الخطاب مع موجة إنذارات عاجلة وغارات متلاحقة. ففي بلدة أنصار، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارة عنيفة بعد إنذار مسبق، أدت إلى تدمير المبنى المستهدف بالكامل. كما استُهدف مبنى آخر في الخرايب – جورة النجاصة، عقب توجيه إنذار بقصفه إلى جانب مبنى في حي القلع. وكانت إسرائيل قد وجّهت إنذارًا ثانيًا خلال يوم واحد إلى سكان الخرايب وأنصار، متحدثة عن نيتها مهاجمة “بنى تحتية عسكرية” تابعة لحزب الله، وداعية السكان إلى إخلاء المباني المحددة والابتعاد لمسافة لا تقل عن 300 متر.
وفي قناريت، نفّذ الطيران المسيّر غارة تحذيرية على أحد المواقع المهددة، ترافقت مع عصف قوي أدى إلى تطاير حجارة وشظايا، ما أسفر عن إصابة عدد من الأشخاص، بينهم صحافيون كانوا يغطّون الحدث. وأفادت المعلومات بأن الإصابات طفيفة وحالات المصابين مستقرة، إلا أن سيارات ومعدات عدد من الإعلاميين تضررت، في مشهد أعاد طرح مسألة سلامة الصحافيين في مناطق الاستهداف المباشر.
نقابة المصورين الصحافيين علّقت على ما جرى ببيان شديد اللهجة، معتبرة أن ما حصل في الكفور وجرجوع وقناريت ليس حادثًا عابرًا ولا بيان إدانة تقليديًا، بل تذكير قاسٍ بأن الكاميرا ما زالت هدفًا. وأكدت أن الادعاءات الإسرائيلية حول مسافات الأمان لا تحمي أحدًا، وأن الإنذارات المسبقة لا تشكّل ضمانة، مشددة على أن العدو لا يتردد في استهداف الصحافيين، وأن الالتزام المهني لا يجب أن يتحوّل إلى مغامرة غير محسوبة، مع التأكيد على أولوية السلامة.
لاحقًا، شنّ الطيران الحربي غارة جوية على مبنى في بلدة الكفور، سبق أن أُبلغ بإنذار باستهدافه، ما أدى إلى تدميره بالكامل، فيما أفيد عن غارة عنيفة جدًا طالت بلدة جرجوع. وتزامن ذلك مع إغلاق طريق المرج من قبل إسعاف الرسالة، بعد تلقي اتصال يطلب إخلاء أحد المنازل في منطقة الدردارة، في مؤشر إضافي على اتساع دائرة القلق والهلع بين السكان.
وسُجل نزوح عدد من العائلات من المباني المهددة في قناريت والمناطق المجاورة، ما تسبب بزحمة سير خانقة داخل طرق البلدة وصولًا إلى الغازية، في مشهد بات يتكرر مع كل موجة إنذارات جديدة. وجاء ذلك بعد إنذار عاجل وُجّه بعد الظهر إلى سكان قناريت والكفور – النبطية وجرجوع، مع التهديد باستهداف “بنى تحتية عسكرية” وطلب الإخلاء الفوري.
ولم تقتصر الاستهدافات على الغارات على المباني، إذ نفّذت مسيّرات إسرائيلية ضربات دقيقة طالت سيارات مدنية. فقد استُهدفت سيارة من نوع “رابيد” في بلدة البازورية، ما أدى إلى سقوط قتيل، وأعلن الجيش الإسرائيلي لاحقًا أنه استهدف عنصرًا من حزب الله في برج الشمالي. كما استُهدفت سيارة “كيا” على طريق الزهراني – مصيلح، ما أدى أيضًا إلى سقوط قتيل، في حين أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ هجوم آخر استهدف عنصرًا في الحزب في منطقة صيدا. إلى ذلك، قصفت المدفعية الإسرائيلية منطقة هرمون في قضاء بنت جبيل.
بهذا المشهد المركّب، يتضح أن إسرائيل ماضية في فرض واقع أمني جديد، لا يكتفي بجنوب الليطاني ولا يعترف عمليًا بسقوف القرار 1701، فيما يدفع المدنيون الثمن الأكبر من منازلهم وأرزاقهم وأمنهم. وفي ظل غياب أي أفق سياسي واضح، واستمرار التعنّت والمواجهة المفتوحة، تبدو القرى الجنوبية عالقة بين نار التصعيد وخيارات محدودة، فيما تتآكل يومًا بعد يوم فرص الاستقرار والتهدئة.



