أخباركم – أخبارنا
تقرير فلسطين السياسي
حين تختلط فيها مفردات “السلام” بتهديدات الإبادة، وتُدار فيها الحروب من قاعات المؤتمرات بقدر ما تُدار من غرف العمليات، تعود غزة لتكون ساحة اختبار جديدة لنظام دولي مرتبك، يبحث عن الاستقرار بأدوات القوة أكثر مما يبحث عن العدالة. مجلس سلام يولد في واشنطن، بميثاق فضفاض وصلاحيات عابرة للحدود، فيما تُمنح مهلة زمنية قصيرة لحركة حماس كي تنزع سلاحها تحت تهديد “التدمير السريع”.
الخطاب الأميركي في دافوس لا يعكس فقط تصعيداً لغوياً، بل يكشف تحوّلاً في إدارة الصراع: من وساطة سياسية إلى وصاية دولية، ومن إعادة إعمار مشروطة إلى إعادة هندسة كاملة للواقع الفلسطيني، أمنياً وسياسياً. وفي المقابل، تتسع الهوة الأوروبية بين من يرى في “مجلس السلام” بديلاً خطِراً عن الأمم المتحدة، ومن يفضّل البقاء على هامش مبادرة غامضة قد تعيد رسم توازنات النزاعات عالمياً.
على الأرض، لا يتوقف النزيف: ضفة غربية تُدفع تدريجياً نحو نموذج أمني أكثر قسوة، وقوانين إسرائيلية تُشرعن الإقصاء وتغلق ما تبقى من مساحات التعليم والعمل، فيما تُقدَّم التقارير الأمنية كدليل “نجاح” رغم اتساع دائرة العنف والتطرّف، حتى بين القاصرين.
وسط هذا المشهد، يتحرك الفلسطيني الرسمي بحثاً عن مظلة سياسية دولية، من موسكو إلى دافوس، في محاولة لكبح مشاريع التهجير وتفكيك ما تبقى من النظام السياسي الفلسطيني. لكنه تحرك يجري في سباق مع الوقت، ومع واقع يُعاد تشكيله من دون الفلسطينيين أنفسهم.
إنه سلام يُطرح بقوة التهديد، وأمن يُبنى فوق ركام الأسئلة المؤجلة. وفي الفراغ بينهما، تقف القضية الفلسطينية مجدداً أمام مفترق لا يحتمل الشعارات ولا يقبل الحلول المفروضة.
اذا، تتسارع التحركات السياسية الدولية حول قطاع غزة، بالتوازي مع تصعيد غير مسبوق في الخطاب الأميركي تجاه حركة حماس، وسط جدل واسع بشأن “مجلس السلام” الذي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تشكيله، وصدام متنامٍ بين مقاربات دولية متباينة حول مستقبل القطاع ودور الأمم المتحدة في إدارة النزاعات.
وفي هذا السياق، أعلن أمين سر الفاتيكان، الكاردينال بيترو بارولين، أن البابا ليو الرابع عشر تلقى دعوة رسمية من الولايات المتحدة للانضمام إلى “مجلس السلام” الخاص بغزة، مؤكداً أن المسألة لا تزال قيد الدراسة. ونقلت وكالة “أنسا” الإيطالية عن بارولين قوله إن الدعوة تلقاها البابا شخصياً، وإن الفاتيكان يعكف حالياً على دراستها، مشيراً إلى أن الرد عليها “يتطلب بعض الوقت”.
ويأتي ذلك في وقت توسّع فيه واشنطن دائرة الدعوات الدولية للانضمام إلى المجلس، الذي أُعلن في 16 كانون الثاني/يناير الجاري، وكان الهدف المعلن من إنشائه الإشراف على إعادة إعمار قطاع غزة بعد الحرب، قبل أن تكشف مسودة الميثاق عن صلاحيات أوسع تتجاوز الملف الفلسطيني، وتسعى إلى لعب دور عالمي في “ضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها”.
وقد وُجهت دعوات إلى عشرات الدول وقادة بارزين، من بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن موسكو تدرس المقترح الأميركي، فيما أفادت وكالة “بلومبرغ” بأن ترامب يخطط لإقرار صلاحيات وميثاق المجلس رسمياً على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
في المقابل، قوبلت المبادرة الأميركية بتحفّظ أوروبي واسع. فقد أفادت مجلة “شبيغل” الألمانية بأن حكومة برلين قررت رفض الانضمام إلى المجلس خشية أن يؤدي إلى تقويض دور الأمم المتحدة. ونقلت المجلة عن وثيقة داخلية لوزارة الخارجية الألمانية أن برلين اعترضت أيضاً على الصلاحيات المحددة مسبقاً التي يمنحها الميثاق للرئيس الأميركي، معتبرة أن المبادرة تفتقر إلى آليات واضحة وتوازنات دولية.
ورغم أن متحدثاً باسم الحكومة الألمانية أشار إلى أن برلين لا تزال تدرس ما يمكن أن تقدمه في هذا الإطار، إلا أن صحيفة “فايننشال تايمز” نقلت عن مصادر مطلعة أن غالبية دول الاتحاد الأوروبي تميل إلى رفض الدعوة الأميركية، انطلاقاً من مخاوف من أن يشكل المجلس الجديد إطاراً بديلاً يهمّش الأمم المتحدة ويضعف دورها كمنصة رئيسية لتسوية النزاعات العالمية.
وفي هذا المناخ، أعلنت المفوضية الأوروبية أن قادة الاتحاد الأوروبي سيبحثون خلال اجتماع المجلس الأوروبي دعوة الولايات المتحدة للانضمام إلى “مجلس السلام”، في ظل انقسام واضح بين العواصم الأوروبية حول كيفية التعاطي مع المبادرة.
على الضفة الأخرى، أعلنت مصر رسمياً قبولها الانضمام إلى المجلس، حيث أكدت وزارة الخارجية المصرية التحاق الرئيس عبد الفتاح السيسي بعضوية “مجلس السلام” الذي سيشرف على إدارة قطاع غزة في المرحلة المقبلة. كما وافق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تلبية دعوة ترامب للانضمام إلى المجلس بصفة عضو، وفق بيان مقتضب صادر عن مكتبه ونقلته وكالة “فرانس برس”.
وبحسب الرؤية الأميركية، من المقرر أن يبدأ عمل المجلس في المرحلة الثانية من خطة السلام التي تم التوصل إليها في تشرين الأول/أكتوبر 2025 بين إسرائيل وحركة حماس، بوساطة مصر وقطر والولايات المتحدة وتركيا، وتشمل هذه المرحلة إعادة الإعمار، وترتيبات أمنية جديدة، وتشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية.
وتزامناً مع هذه التحركات، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته تجاه حركة حماس، معلناً خلال كلمته في منتدى دافوس مهلة نهائية مدتها ثلاثة أسابيع أمام الحركة “للتخلي عن سلاحها أو التدمير السريع”. وقال ترامب إن بعض “الحالات الصغيرة مثل حماس” وافقت على نزع سلاحها، لكنه شكك في قدرتها على التنفيذ، محذراً من أن عدم الالتزام سيقود إلى “تدميرها بسرعة كبيرة”.
وأشار ترامب إلى أن 59 دولة تشارك في ما وصفه بـ”اتفاق السلام” الذي يشمل نزع سلاح حماس، لافتاً إلى أن دولاً غير منخرطة تقليدياً في شؤون الشرق الأوسط أبدت استعدادها للمشاركة في القضاء على الحركة، في إطار محاولة لتشكيل تحالف دولي داعم للمجلس.
في المقابل، أكد الناطق باسم حركة حماس حازم قاسم أن الحركة تعاملت بإيجابية مع جهود الوسطاء بشأن جثمان الأسير الإسرائيلي الأخير، وقدمت كل المعطيات المتوفرة لديها، متهماً إسرائيل بتعطيل عمليات البحث واستغلال الملف للتهرب من استحقاقات المرحلة الأولى من الاتفاق.
وعلى الصعيد الفلسطيني الرسمي، وصل رئيس دولة فلسطين محمود عباس إلى العاصمة الروسية موسكو في زيارة رسمية تستمر يومين، يلتقي خلالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ويبحث معه آخر التطورات السياسية، وجهود إعادة الإعمار، ووقف التهجير والضم، والتوسع الاستيطاني، إضافة إلى العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
كما بحث رئيس الوزراء محمد مصطفى، خلال لقائه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على هامش منتدى دافوس، الجهود المبذولة لتثبيت وقف إطلاق النار في غزة، والتحركات الإقليمية والدولية لإعادة الإعمار، إلى جانب تطورات الأوضاع في الضفة الغربية في ظل الاقتحامات المتكررة واعتداءات المستوطنين واستمرار احتجاز أموال المقاصة.
وفي موازاة ذلك، كشف جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) في تقريره السنوي لعام 2025 عن إحباط 1374 عملية في الضفة الغربية، معظمها في مسارات إطلاق نار ومتفجرات، مشيراً إلى تحول في طبيعة النشاط الفلسطيني من “إرهاب شعبي” إلى محاولات بناء بنى عسكرية، مع تحذير من محاولات إنتاج صواريخ محلية في رام الله وطولكرم.
وأشار التقرير إلى ارتفاع حاد في محاولات التجسس الإيرانية داخل إسرائيل، مع الكشف عن 22 قضية خطيرة وتقديم لوائح اتهام ضد 25 شخصاً، إضافة إلى إحباط نحو 100 قضية تورط فيها مواطنون إسرائيليون، مع تسليط الضوء على ظاهرة متنامية بين القاصرين، تتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي لاستهلاك محتوى متطرف وتجاوز آليات الرقابة.
وفي سياق داخلي موازٍ، صادق الكنيست الإسرائيلي بالقراءتين الثانية والثالثة على قانون يحظر توظيف خريجي الجامعات الفلسطينية في جهاز التعليم الإسرائيلي، بحجة منع “تسرب محتوى معادٍ”، ما أثار انتقادات واسعة في ظل تأثيره المباشر على آلاف المعلمين في القدس الشرقية.
وتأتي هذه التطورات مجتمعة في مرحلة دقيقة، يتداخل فيها الضغط الأميركي، والانقسام الدولي، والتصعيد الأمني، مع مساعٍ لإعادة رسم مستقبل غزة والمنطقة، وسط تساؤلات مفتوحة حول جدوى “مجلس السلام”، وحدود استخدام القوة كمدخل لفرض الاستقرار، ومصير القضية الفلسطينية في ظل موازين دولية متحركة.



