أخباركم – اخبارنا
تقرير فلسطين الميداني
في غزة ، داخل خيمة نزوح وسط المدينة حيث يمتزج الطين بالقماش الممزق، وتختلط أصوات الأطفال بوقع الحصار، تجلس الطفلة سارة أبو سعدة، تمسك بفحم حطب محترق بدل الألوان، وتحاول أن ترسم ما عجز العالم عن رؤيته. في مكان لا يشبه المراسم، ولا يشبه الطفولة، تحوّلت الفرشاة إلى شهادة، والرسم إلى لغة نجاة.
سارة، البالغة من العمر خمسة عشر عاماً، نزحت قسراً من منزلها في بلدة بيت لاهيا شمال القطاع، بعدما دمره القصف الإسرائيلي، وفقدت تحت أنقاضه كل لوحات طفولتها. اليوم، ترسم داخل خيمة من النايلون والقماش، وسط تجمعات نزوح يعيش فيها نحو 1.5 مليون فلسطيني، في ظل حصار خانق ونقص حاد في مقومات الحياة.
تقول سارة إن رسوماتها قبل الحرب كانت تعبّر عن الفرح والحياة، لكنها اليوم باتت توثق الدمار والمجاعة والنزوح والدم. تستخدم الفحم المستخرج من بقايا الحطب، وقطع الخشب والأقمشة المهترئة، وحتى أغطية البلاستيك، لتصنع منها لوحات تجسّد واقع غزة القاسي.
ترسم سارة طوابير النساء الباحثات عن الطحين، ووجوه النازحين، وركام البيوت، كما رسمت “سفينة الصمود” رمزاً لأمل لم يكتمل، بعد الاعتداء الإسرائيلي على الأسطول المتجه إلى غزة في تشرين الأول الماضي.
رغم فقدان المنزل والحرمان، لا تزال سارة تحلم بعودة الحياة الطبيعية إلى غزة، وبالدراسة والدعم لتطوير موهبتها، لتبقى لوحاتها صوتاً فلسطينياً يحاول اختراق جدار الصمت، وتوثيق حكاية شعب يعيش بين الخيام وينتظر العدالة.
ميدانيا، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي، لليوم الـ104 على التوالي، خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار والتهدئة في قطاع غزة، بالتزامن مع حصار مشدد وإغلاق كامل للمعابر، ما يفاقم الأوضاع الإنسانية في القطاع المنكوب.
ومنذ الساعات الأولى لفجر اليوم الخميس، ارتكبت قوات الاحتلال تسعة خروقات جديدة للهدنة، شملت قصفاً مدفعياً وجوياً، وإطلاق نار كثيف من الآليات العسكرية، في مناطق متفرقة من قطاع غزة. وأفاد سكان محليون بأن جيش الاحتلال نفّذ عمليات نسف واسعة داخل مناطق انتشاره العسكري شرق مدينة خان يونس، جنوبي القطاع، بالتزامن مع إطلاق نار مكثف من الطيران المروحي تجاه المناطق الشرقية للمدينة.
كما شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات جوية فجر اليوم على المناطق الشرقية من مدينة غزة، ترافق ذلك مع تحليق مكثف وعلى ارتفاعات منخفضة للطيران الحربي في أجواء القطاع كافة. وأشار سكان إلى أن آليات الاحتلال أطلقت نيرانها الرشاشة باتجاه المناطق الشرقية لمخيم البريج وسط القطاع، فيما استهدف قصف جوي مناطق شمالي غزة، بالتوازي مع إطلاق نار من الدبابات شرق حي الشجاعية شرقي مدينة غزة.
وجددت الدبابات الإسرائيلية قصفها المدفعي المكثف للمناطق الشرقية من خان يونس، إضافة إلى قصف طال المناطق الغربية لمدينة رفح جنوبي القطاع. وكانت قوات الاحتلال قد خرقت، يوم أمس الأربعاء، اتفاق وقف إطلاق النار أكثر من 18 مرة، ما أسفر عن استشهاد 11 مواطناً، بينهم امرأة وطفلان وثلاثة صحفيين، إضافة إلى إصابة عدد من المدنيين بجروح متفاوتة في مناطق وسط وجنوبي القطاع.
وفي الضفة الغربية المحتلة، اقتحمت قوات الاحتلال فجر اليوم الخميس مناطق متفرقة، ونفذت حملة مداهمات واعتقالات طالت أربعة فلسطينيين، بينهم أسرى محررون. وأفاد مراسل “وكالة سند للأنباء” بأن قوات الاحتلال أعادت اعتقال الأسيرة المحررة سجى دراغمة بعد دهم منزل عائلتها في قرية تياسير شرقي طوباس، كما أعادت اعتقال الأسير المحرر فؤاد دار خليل عقب مداهمة منزله في بلدة سنجل شمالي رام الله.
واعتقلت قوات الاحتلال الشاب جهاد أحمد أبو دهوك بعد اقتحام منزله في مخيم عقبة جبر جنوبي أريحا، والشاب محمد منذر عباس خلال اقتحام مخيم الأمعري جنوبي مدينة البيرة. كما واصلت قوات الاحتلال اقتحام بلدة بيت ريما شمال غربي رام الله، ونفذت تحقيقات ميدانية واعتقالات طالت عشرات الفلسطينيين.
ودهمت قوات الاحتلال قرية رأس كركر غربي رام الله، واقتحمت منزلَي محمد مطر أبو فخيدة وابن شقيقه فادي سعيد أبو فخيدة بعد تحطيم أبوابهما، فيما هددت الشاب مدحت محمد مطر أبو فخيدة باعتقال والديه في حال لم يسلم نفسه. وطالت الاقتحامات بلدات زعترة شرقي بيت لحم، طمون جنوبي طوباس، ترمسعيا شمالي رام الله، بيت أمر شمالي الخليل، إضافة إلى السيلة الحارثية وحيي الألمانية والشرقي في مدينة جنين.
وفي قطاع غزة، أثار استشهاد ثلاثة مصورين صحفيين أثناء أدائهم واجبهم المهني موجة إدانات واسعة، عقب استهداف الاحتلال مركبة تابعة للجنة المصرية وسط القطاع. وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي ارتفاع عدد الشهداء من الصحفيين الفلسطينيين إلى 260 صحفياً منذ بداية حرب الإبادة، بعد استشهاد الصحفيين عبد الرؤوف سمير شعت، ومحمد صلاح قشطة، وأنس عبد الله غنيم.
ودان المكتب الإعلامي الحكومي الاستهداف المتواصل للصحفيين، داعياً الاتحاد الدولي للصحفيين، واتحاد الصحفيين العرب، والمؤسسات الإعلامية الدولية إلى تحمل مسؤولياتها، مطالباً المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لوقف جرائم الاحتلال، وحماية الصحفيين، وملاحقة قادته أمام المحاكم الدولية.
من جهتها، أكدت نقابة الصحفيين الفلسطينيين أن القصف المباشر لمركبة الصحفيين يشكل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وفق القانون الدولي الإنساني، وانتهاكاً لاتفاقيات جنيف، معتبرة أن سياسة الإفلات من العقاب أسهمت في تصاعد استهداف الإعلاميين، في واحدة من أكثر الحروب دموية بحق الصحافة في التاريخ الحديث.
كما نعى التجمع الصحفي الديمقراطي الصحفيين الثلاثة، مؤكداً أن استهدافهم يأتي ضمن محاولات إسكات الصوت الحر ومنع نقل الحقيقة من الميدان. وقالت لجنة الإغاثة والتنمية في رفح إن الصحفيين ارتقوا أثناء أداء مهمة إنسانية ومهنية داخل مخيمات الإيواء، ووصفت الاستهداف بأنه جريمة مكتملة الأركان وانتهاك صارخ للمواثيق الدولية.
بدوره، أكد منتدى الإعلاميين الفلسطينيين أن استهداف مركبة صحفيي اللجنة المصرية قرب محور نتساريم يعكس تعمّد الاحتلال قتل الإعلاميين، مشيراً إلى أن عدد شهداء الصحافة الفلسطينية منذ بدء العدوان في تشرين الأول/أكتوبر 2023 بلغ 260 صحفياً وصحفية، وهو رقم غير مسبوق عالمياً خلال فترة زمنية قصيرة.
وعلى الصعيد السياسي، اعتبرت حركة حماس أن استهداف مركبة اللجنة المصرية واستشهاد الصحفيين الثلاثة يشكل جريمة حرب وتصعيداً خطيراً لانتهاكات اتفاق وقف إطلاق النار، فيما قالت حركة الجهاد الإسلامي إن الاستهداف رسالة سياسية متعمدة لرفض الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، واعتداء مباشر على دور الوسطاء، ولا سيما الدور المصري.
وأكدت حركات فلسطينية أخرى أن استمرار الصمت الدولي إزاء هذه الجرائم يمنح الاحتلال غطاءً لمواصلة خروقاته، محذّرة من أن التصعيد المتواصل ينذر بتفجير الأوضاع، في ظل غياب أي مساءلة حقيقية أو التزام جدي ببنود اتفاق التهدئة.



