الأحد, يونيو 14, 2026
25.8 C
Beirut

بين لعبة الروليت السياسية وغياب البديل: أكراد سوريا في أخطر مفترق!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ تقرير سوريا/ مسعود محمد

ليست هذه مرحلة سهلة، ولا يمكن فهمها بمنطق العاطفة أو الخطاب التعبوي. فما يواجهه أكراد سوريا اليوم يشبه، في جوهره، ما تصفه الواقعية السياسية الكلاسيكية: حين تختل موازين القوى، تتحول النوايا الحسنة إلى عبء، وتصبح الشعارات غير المحمية بالمؤسسات طريقًا للهزيمة لا للنصر. التاريخ مليء بأمثلة شعوب امتلكت قضية عادلة، لكنها خسرت لحظتها لأنها تجاهلت السياق الدولي أو راهنت على القوة وحدها.

في قلب هذا المشهد، يقف مظلوم عبدي أمام معادلة قاسية: إما خسارة «قسد» كقوة عسكرية، أو محاولة تحويلها إلى ورقة سياسية تحفظ الحد الأدنى من الوجود الكردي في سوريا. فقبوله باتفاق وقف إطلاق النار مع دمشق لا يختلف، من حيث المنطق، عن محاولات تحوّل حركات مسلحة أخرى إلى فاعل سياسي عندما أدركت أن الاستمرار في المواجهة سيقود إلى الفناء. تجربة كوسوفو مثال واضح: فجيش تحرير كوسوفو، بعد سنوات من الصدام، انتقل إلى المسار السياسي حين توفرت مظلة دولية وضمانات، ما حوّل المكاسب العسكرية إلى كيان سياسي معترف به جزئيًا، بدل الاستمرار في حرب استنزاف خاسرة.

لكن الفارق الجوهري أن أكراد سوريا لا يملكون حتى الآن تلك الضمانات الدولية. بل على العكس، يواجهون بيئة إقليمية ودولية تميل إلى إعادة تثبيت الدولة السورية، لا تفكيكها. وهذا ما يجعل الاستمرار في المواجهة المفتوحة أقرب إلى تكرار تجربة جنوب السودان بعد الاستقلال، حين تحوّل النصر العسكري إلى دولة هشة غرقت في الصراعات الداخلية بسبب غياب المؤسسات والقيادة السياسية الجامعة. الدرس هنا واضح: التحرر بلا بناء سياسي متماسك قد يقود إلى كارثة أكبر من الهزيمة نفسها.

في المقابل، يتردد في الشارع الكردي سؤال مؤلم: أين المجلس الوطني الكردي السوري؟ هذا السؤال يعكس أزمة تمثيل لا أزمة أفراد. فالتجارب التاريخية تؤكد أن الأطر السياسية التي تفشل في بناء علاقة عضوية مع مجتمعها تفقد قدرتها على العودة. ما جرى مع منظمة التحرير الفلسطينية في مراحل ضعفها، أو مع أحزاب المعارضة العراقية قبل 2003، يثبت أن الشرعية لا تُمنح بالاسم ولا بالتاريخ، بل بالقدرة على تمثيل الناس في لحظات الخطر.

ومع غياب هذا الجسم، يبرز السؤال الأهم: هل يستطيع المجتمع المدني الكردي السوري إنتاج بديل سياسي؟ نظريًا نعم، كما حدث في تجارب مثل إقليم كتالونيا، حيث لعب المجتمع المدني والنخب الثقافية دورًا محوريًا في فرض القضية على الأجندة السياسية. لكن عمليًا، يواجه الكرد السوريون معضلة خطيرة: غياب نخب منظمة قادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع سياسي. فبدل المبادرة، يظهر كثير من المثقفين أسرى النقاشات الافتراضية، عاجزين عن تشكيل إطار جامع أو رؤية عملية.

وتزداد خطورة المشهد حين نضعه في سياقه السوري الأوسع. فأكراد سوريا اليوم محاصرون بجغرافيا لا يمكن تجاوزها بالقوة، ويواجهون قوى جديدة داخل البلاد لا تخفي نزعتها الإقصائية، بل تمارس عنفًا رمزيًا وماديًا يعيد إلى الأذهان نماذج متطرفة عرفتها المنطقة سابقًا. وفي المقابل، يُطرح خطاب رسمي عن “بناء دولة” و“مواطنة”، لكن من دون ضمانات دستورية واضحة أو آليات تمنع الانقلاب لاحقًا على هذه الوعود، كما حدث في تجارب دول خرجت من الحروب ثم عادت إلى الإقصاء المركزي.

ما هو الحل الممكن؟ (تقدير واقعي)

الحل، إذا أردنا تسميته كذلك، ليس مثاليًا ولا كاملاً، لكنه ممكن إذا توفرت الشجاعة السياسية:

  1. تحويل «قسد» من أداة عسكرية إلى مظلة تفاوضية
    ليس عبر حلّها الفوري، بل عبر فصل القرار السياسي عن العسكري، تمهيدًا لإدماج منظم ومشروط يضمن الحقوق لا يذيبها.
  2. بناء قيادة كردية سورية مستقلة
    لا تتبع قنديل ولا تُدار من الخارج، وتستند إلى مؤتمر كردي سوري جامع، حتى لو بدأ محدودًا، على أن يتوسع تدريجيًا.
  3. الرهان على ضمانات مكتوبة لا وعود شفوية
    أي اندماج في الدولة السورية يجب أن يقترن بنصوص دستورية واضحة حول اللامركزية، واللغة، والإدارة المحلية، بضمانات دولية ولو جزئية.
  4. إعادة تعريف دور المثقفين والشباب
    من التعليق إلى التنظيم، ومن الخطاب إلى البرنامج. فكل التجارب الناجحة أثبتت أن اللحظات الانتقالية تُحسم حين تتقدم النخب خطوة إلى الأمام، لا حين تكتفي بالمشاهدة.

في ظل هذا التفكك، لا يبدو أن أمام قيادة كردستان العراق سوى دفع أكراد سوريا إلى التفكير بواقعية سياسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا لتصفية القضية بل لحمايتها من المغامرة. وبالمقابل، تقع على عاتق المثقفين والشباب الكرد السوريين مسؤولية تاريخية: إما إنتاج بديل سياسي عقلاني قادر على التفاوض والبناء، أو ترك الفراغ يُملأ بقوى لا ترى في الكرد سوى ورقة مؤقتة.

الخلاصة التي يقدمها التاريخ بوضوح:
القضية العادلة لا تكفي وحدها، والبطولة غير المحسوبة قد تتحول إلى خسارة جماعية. ما ينقذ الشعوب في لحظات كهذه هو الجمع بين الواقعية والشجاعة، وبين الذاكرة السياسية والقدرة على التكيف. دون ذلك، تبقى لعبة الروليت مفتوحة… والنتيجة على حساب الوجود نفسه.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

جيفارا… حين يصير الثائر وطنًا للفقراء ووصيةً للمستقبل!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ارتبطتُ بسيرة تشي جيفارا لا بوصفها حكاية ثائر بعيد...

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

حين تتحول الحرية الدينية إلى وصاية على المجتمع المضيف

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد أكتب هذا المقال لا من موقع العداء لدين أو...

لبنان في فم العاصفة: إيران تبيع أذرعها، ونتنياهو يفتك بالجنوب، وحزب الله يقامر بما تبقّى من وطن!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد كتب حسين قاسم عبر صفحته للتواصل الاجتماعي: بصرف...

More like this

جيفارا… حين يصير الثائر وطنًا للفقراء ووصيةً للمستقبل!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ارتبطتُ بسيرة تشي جيفارا لا بوصفها حكاية ثائر بعيد...

مصادر التهديدات هنا وهناك

أخباركم - أخبارنا أبو كاروان/ سكرتير اللجنة المركزيةللحزب الشيوعي الكردستاني ان كيان اقليم كردستان هي ثمرة...

اتفاق لم يولد بعد: مذكرة واشنطن وطهران بين وساطة قطر وشروط إسرائيل وارتدادات لبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لا يمكن الحديث حتى...