أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم
عقب الحرب العالمية الثانية، تشكّل النظام الدولي على أساس قيادة ثلاث قوى كبرى: الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد السوفياتي، وبريطانيا. غير أنّ بريطانيا سرعان ما فقدت موقعها كقوة عظمى، ليقتصر الصراع العالمي على قطبين رئيسيين، أميركي وسوفياتي، في إطار ما عُرف بالحرب الباردة. وقد استمر هذا التوازن الثنائي حتى مطلع تسعينات القرن العشرين، حين انهار الاتحاد السوفياتي، فدخل النظام الدولي مرحلة الأحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة.
إلا أنّ هذه الأحادية لم تدم طويلاً من دون تحديات. فقد أفرزت العولمة تحولات بنيوية في الاقتصاد والسياسة الدوليين، ما أعاد طرح فكرة التعددية القطبية. في هذا السياق، برز الصعود الصيني المتسارع، وسعت روسيا إلى استعادة موقعها كقوة مؤثرة، فيما شهد الاتحاد الأوروبي مساراً تكاملياً عزز حضوره الدولي، إلى جانب ظهور أطر تنسيقية كبرى مثل مجموعة الدول السبع ومجموعة العشرين.
غير أنّ الولايات المتحدة، في مرحلة لاحقة، بدت وكأنها تتجه نحو إعادة تعريف دورها العالمي، ليس فقط بوصفها القوة الأقوى، بل باعتبارها القائد الأوحد للنظام الدولي، من خلال تكريس منطق القرار الأحادي وفرض الإرادة السياسية والاقتصادية دون شراكة فعلية. وعلى هذا الأساس، يمكن قراءة الصراعات الدولية الراهنة، وكذلك تلك المتوقعة مستقبلاً، بوصفها انعكاساً مباشراً لهذا التوجه.
ويُظهر التاريخ أن التحولات الكبرى في بنية النظام الدولي غالباً ما تكون مصحوبة بتغيرات جذرية في الخريطة السياسية، حيث تختفي دول وتُنشأ أخرى. وفي ضوء هذه المعادلات، يجد لبنان ودول الشرق الأوسط أنفسهم أمام أخطر مرحلة في تاريخهم السياسي الحديث، مرحلة تتسم بارتفاع منسوب المخاطر وتراجع هوامش المناورة.
إنها لحظة تاريخية تستدعي أقصى درجات التعقل والوعي في مقاربة التحديات المقبلة



