أخباركم – أخبارنا
د. وفيق ريحان
هل تتراجع الحكومة عن مرسوم تعيين غراسيا قزي منعاً للالتباسات الحاصلة وردّات فعل أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت؟
وفقاً للقانون الإداري ولاجتهادات القضاء الإداري، يمكن إبداء الآراء الاجتهادية والقانونية التالية:
أولاً:
تستطيع الحكومة، ولأي سبب كان، الرجوع عن قرار تعيين السيدة غراسيا قزي خلال مهلة شهرين من تاريخ صدور القرار عن السلطة الإدارية المختصة، وذلك بإحدى طريقتين:
- سحب القرار الإداري أو المرسوم خلال تلك المهلة، حيث يرتدّ مفعول قرار السحب إلى تاريخ صدوره عن الجهة الإدارية المختصة، ويُعتبر كأنّه لم يكن، مع محو جميع آثاره القانونية.
- إلغاء القرار، حيث تنشأ مفاعيله من تاريخ اتخاذ قرار الإلغاء من قبل الجهة صاحبة الصلاحية، وتكون مفاعيله مستقبلية فقط، وهي الحكومة بطبيعة الحال.
وبعد انقضاء مهلة الشهرين، يتعذّر الرجوع عن القرار إلا بواسطة القضاء الإداري صاحب الاختصاص، وذلك من خلال الطعن المقدم من كل ذي مصلحة أو صفة.
كما يمكن لصاحب العلاقة الاعتراض على قراري السحب أو الإلغاء بسبب مخالفة القانون، أو التعسف في استعمال السلطة، أو لأي سبب قانوني آخر، سواء من حيث الشكل أو المضمون.
وتجدر الإشارة إلى أنّ السيدة غراسيا قزي هي أساساً عضو في المجلس الأعلى للجمارك، أي أنّها من موظفي الفئة الأولى، وأنّ تعيينها كمدير عام للجمارك تمّ بطريقة النقل والتعيين، لا بطريقة الترفيع أو الترقية التي تتم عادة عبر إجراء مقابلات شفوية أمام مجلس الخدمة المدنية لاختيار ثلاثة مرشحين وفقاً للآلية الإصلاحية الجديدة، والتي تُعدّ من أفضل الإصلاحات الإدارية المستحدثة.
هذا من الناحية الإدارية.
أما من الناحية القانونية:
فإذا كانت السيدة غراسيا قزي قد فقدت أهليتها الوظيفية أو حقها في الترفيع أو التعيين في المراكز الإدارية لأي سبب، فينبغي أن يستند ذلك إلى أسباب قانونية تتعارض مع أصول التعيين أو الترفيع المنصوص عليها في النظام العام للموظفين في القطاع العام، والذي يحدّد أيضاً موانع التعيين أو الترفيع.
كما أنّ مشاريع المراسيم تمرّ حكماً عبر مجلس الخدمة المدنية لإبداء الرأي القانوني حول شرعية وقانونية التعيين أو عدمه، ويبقى للسلطة الإدارية، أي الحكومة، اتخاذ القرار المناسب المرتبط بمصلحة الإدارة والمصلحة العامة، بهدف تسيير المرافق العامة وفقاً للقانون.
وحيث إنّ السيدة غراسيا قزي لم تتعرّض لعقوبات تأديبية تمنع تعيينها أو ترفيعها، ولا سيما العقوبات من الدرجة الثانية المنصوص عليها في المادة 55 من النظام العام للموظفين، كما أنّها لم تُدان بأي جرم جزائي من قبل القضاء الجزائي المختص، فإنّ ذلك لا يعيب تعيينها في مركزها الجديد، استناداً إلى قرينة البراءة حتى تثبت الإدانة بحكم مبرم ونهائي، وهو ما لم يحصل حتى تاريخه، وفق ما يظهر من متابعة أوضاعها الوظيفية.
وإذا كانت محاكمة السيدة قزي وآخرين أمام النيابات العامة المالية أو الجزائية لم تُفضِ بعد إلى أي إدانة، ولم تُحِل الهيئة الاتهامية الملف إلى المحاكم الجزائية حتى اللحظة، فإنّ ذلك لا يحجب حقها في التعيين، على أن تعيد الحكومة النظر في وضعها الوظيفي في حال صدور أي حكم قضائي أو تأديبي يُدينها بجناية أو جنحة شائنة تفقدها شرط الاستمرار في الوظيفة العامة.
أخيراً،
لا بدّ من الإشارة إلى ما تتمتع به الحكومة من سلطة استنسابية واسعة في مجال التعيينات الإدارية عموماً، وفي مراكز الفئة الأولى خصوصاً، ولا سيما أنّ المديرية العامة للجمارك تُعدّ من الإدارات الأساسية في المالية العامة للدولة. ويمنح ذلك الحكومة الحالية حق التقدير في اختيار الموظفين الذين يتمتعون بالسمعة الحسنة واليد النظيفة لتولي هذا الموقع الإداري والمالي الحساس، مع إبعاد المتهمين بهدر المال العام عنه.
كما لا يمكن تجاهل الانعكاسات السلبية لتعيين موظف في هذا الموقع، في ظل ما أثاره من حساسية واستياء لدى ذوي ضحايا جريمة انفجار مرفأ بيروت، باعتبار أنّ السيدة قزي تُعدّ من بين المتهمين بالتقصير أو الإهمال الإداري في هذه الجريمة التي اصطبغت بطابع جرمي وجزائي.
وعلى هذه الحكومة، التي تتعلّق آمال اللبنانيين بها على أساس مصداقيتها وعدالتها في ممارسة السلطة، أن تُحسن تقدير خياراتها بما يخدم المصلحة العامة ويصون العدالة



