أخباركم – اخبارنا
تقرير لبنان السياسي
على إيقاع متسارع بين دافوس وجنوب لبنان، يتقدّم المشهد السياسي والأمني إلى مرحلة أكثر حساسية، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع قرارات داخلية مصيرية، فيما يبقى الميدان مفتوحاً على احتمالات التصعيد. من سويسرا، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب «مجلس السلام» واضعاً حزب الله مباشرة في دائرة الاستهداف السياسي، في لحظة دولية تحاول إعادة رسم خرائط النفوذ وقواعد الاشتباك في الإقليم. وفي التوقيت نفسه، خرج رئيس الحكومة نواف سلام بمواقف غير مسبوقة حول حصر السلاح، معلناً الدخول في «المرحلة الثانية» من الخطة، من جنوب الليطاني إلى بيروت والبقاع، في رسالة واضحة إلى الخارج والداخل معاً.
لكن السياسة لم تكن وحدها في الواجهة. الجنوب اللبناني عاد اليوم إلى واجهة النار: مسيّرات، قنابل صوتية، استهداف آليات مدنية، ودمار واسع في قناريت، في مشهد يعكس واقع «حرب الاستنزاف» التي تتقدّم على الدبلوماسية. وبينما يعمل لبنان على حشد الدعم الدولي، تتكثف الاتصالات مع باريس وصندوق النقد الدولي، وتبرز الإصلاحات المالية، ولا سيما قانون الفجوة المالية، كشرط إلزامي لاستعادة الثقة وفتح أبواب المساعدات.
في الداخل، لا تقل الساحة السياسية سخونة، مع سجال نيابي حول موازنة 2026 واعتراضات على مواد ملحقة تُطرح خارج الأصول، فيما تؤكد الحكومة التزامها إجراء الانتخابات في موعدها وبحياد كامل. هكذا، يقف لبنان عند تقاطع حاد: ضغوط أميركية، رهانات أوروبية، نار جنوبية مفتوحة، وسباق داخلي بين الإصلاح والانهيار، في لحظة تختصر كل التناقضات وتضع الدولة أمام اختبار وجودي جديد.
اذا، تمركز المشهد اللبناني اليوم عند تقاطع السياسة الدولية مع الاستحقاقات الداخلية، في لحظة دقيقة تتداخل فيها الضغوط الخارجية مع واقع أمني هشّ ومسار إصلاحي مشروط. في دافوس، حيث اجتمعت أنظار العالم، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب مبادرة «مجلس السلام» الهادفة إلى إنهاء الحرب في غزة والاضطلاع بدور دولي أوسع، في خطوة أثارت تساؤلات وقلقاً لدى قوى دولية، سعى ترامب إلى احتوائه بالتأكيد أن المجلس سيعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة. غير أن الحدث لم يخلُ من رسائل مباشرة إلى لبنان، إذ خصّ ترامب حزب الله بموقف لافت، معتبراً أنه بات «بقايا صغيرة» مقارنة بما كان عليه، ومضيفاً: «لا بدّ من القيام بشيء حيال ذلك»، في إشارة واضحة إلى أن الملف اللبناني حاضر في الحسابات الأميركية المقبلة.
على الضفة المقابلة، ومن أعلى المنابر الأوروبية، أطلق رئيس الحكومة نواف سلام سلسلة مواقف وُصفت بالمتقدمة، ولا سيما في ما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة. سلام أعلن من دافوس أن الحكومة دخلت «المرحلة الثانية» من هذه العملية، بشكل تدريجي، لتشمل المنطقة الممتدة بين نهر الليطاني والأولي، ثم بيروت الكبرى فالبقاع، مؤكداً أن خطة الجيش لا تقتصر على جنوب الليطاني بل تطال كامل الأراضي اللبنانية. وفي مقابلة مع وكالة «بلومبرغ»، شدد سلام على أن سياسة حكومته تقوم على ركيزتين أساسيتين: إعادة بناء مؤسسات الدولة عبر الإصلاحات، واستعادة احتكار الدولة للسلاح. واعتبر أن الدولة اللبنانية، للمرة الأولى منذ عام 1969، باتت تملك سيطرة عملياتية كاملة على المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، واصفاً ما جرى في الخامس من آب بقرار تاريخي أعاد للدولة جزءاً من سيادتها رغم الظروف الصعبة.
سلام لم يُخفِ في الوقت نفسه توصيفه لما يجري في الجنوب، معتبراً أن ما يحدث، وإن لم يكن حرباً شاملة، هو «حرب استنزاف من طرف واحد»، في ظل اعتداءات إسرائيلية شبه يومية واحتلال مستمر لما يُعرف بالنقاط الخمس. وأكد أن الحكومة تعمل على حشد المجتمع الدولي واستخدام كل الوسائل الدبلوماسية والسياسية للضغط على إسرائيل للالتزام بإعلان وقف الأعمال العدائية والانسحاب الكامل من لبنان. وفي سياق متصل، أوضح أن العمل على ضبط الحدود مع سوريا حقق تقدماً كبيراً، معتبراً أن الحديث عن وجود رؤوس كبيرة من فلول النظام السوري في لبنان «ضُخّم»، ومشدداً على أن لبنان لن يسمح بأن يتحول منصة للإساءة إلى سوريا.
تزامناً مع هذه المواقف، كثّف سلام لقاءاته الدولية على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، فاجتمع بوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، حيث جرى البحث في تطورات الأوضاع الإقليمية وانعكاساتها على لبنان، إضافة إلى التحضيرات الجارية لعقد مؤتمر دعم القوات المسلحة اللبنانية، باعتبارها ركيزة أساسية للاستقرار. كما تطرق النقاش إلى مسار الإصلاحات المالية والاقتصادية، مع تركيز خاص على قانون «الفجوة المالية» بوصفه خطوة محورية لإعادة الانتظام المالي واستعادة الودائع وتعزيز الثقة الدولية.
وفي الإطار المالي، عقد سلام اجتماعاً مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، بحضور وزيري المالية والاقتصاد. عرض خلاله المسار الإصلاحي الذي باشرت به الحكومة، مؤكداً أن مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع يشكل خارطة طريق واضحة للتعافي المصرفي والخروج من حالة المراوحة الاقتصادية، كما يساعد على تقليص الاقتصاد النقدي وإخراج لبنان من اللائحة الرمادية. من جهتها، أشادت جورجيفا بأداء الحكومة والتزامها بالإصلاحات، واتفق الطرفان على إرسال بعثة من خبراء الصندوق إلى لبنان بين 9 و13 شباط لاستكمال النقاشات التقنية سعياً إلى اتفاق نهائي.
هذه التحركات تأتي عشية استحقاقات دولية بارزة، أبرزها زيارة مرتقبة لقائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن في شباط المقبل، ومؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني في آذار. وفي السياق نفسه، أُفيد أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيستقبل سلام في قصر الإليزيه، حيث سيؤكد تمسك فرنسا بالاحترام الكامل لوقف إطلاق النار وضرورة إطلاق المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح، إضافة إلى تجديد الدعم الكامل للجيش اللبناني، في إطار التحضير لمؤتمر دعم سيادة لبنان المقرر في باريس في 5 آذار. كما سيبحث اللقاء مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والمالية وتبادل وجهات النظر حول التطورات الإقليمية، لا سيما في سوريا وغزة.
داخلياً، استقبل وزير الداخلية أحمد الحجار السفير الفرنسي هيرفي ماغرو، حيث جرى البحث في التحضيرات لمؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنية، مع التأكيد على الدور المشترك للجيش وقوى الأمن الداخلي في بسط سلطة الدولة، وبحث حاجات القوى الأمنية في المرحلة المقبلة.
على الصعيد التشريعي، يستعد المجلس النيابي لمناقشة موازنة 2026 الأسبوع المقبل، بعد انتهاء لجنة المال من دراستها. وفي هذا الإطار، سجّل نواب تكتل «الجمهورية القوية» اعتراضات حادة على إدراج أكثر من 20 مادة إضافية خارج الأصول الدستورية، معتبريـن أنها تهدف إلى البحث عن إيرادات بلا دراسات جدوى أو أرقام واضحة، في وقت تبحث فيه الحكومة في دافوس عن آفاق اقتصادية جديدة.
انتخابياً، أكد سلام أن حكومته ستشرف على الانتخابات النيابية المقبلة، مشدداً على التزامه الحياد الكامل ورفضه الترشح، وداعياً أي وزير يرغب في الترشح إلى مغادرة الحكومة، لضمان إجراء الانتخابات في موعدها وبأقصى درجات النزاهة.
في المحصلة، يتحرك لبنان على حافة مرحلة مفصلية: ضغوط أميركية متزايدة، رعاية فرنسية مشروطة بالإصلاح والسيادة، مسار تفاوضي مع صندوق النقد، وتصعيد ميداني لم يتوقف. بين دافوس وبيروت والجنوب، تتكثف الرسائل، ويُرسم مسار سياسي وأمني عنوانه حصر السلاح، دعم الجيش، والإصلاح كمدخل وحيد لتثبيت الدولة وسط إقليم مشتعل.



