أخباركم – أخبارنا
تقرير فلسطين السياسي
في الوقت الذي يتداخل فيها الوعد بالسلام مع تهديد السلاح، وتتجاور فيها موائد الاقتصاد العالمي مع ساحات الدم المفتوحة، بدت التطورات السياسية الأخيرة وكأنها مشهد واحد متشعّب الأطراف، عنوانه صراع الإرادات على مستقبل فلسطين والمنطقة. من دافوس، حيث وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعدد من قادة الدول ميثاق ما سُمّي بـ“مجلس السلام”، إلى غزة التي ما زالت تنزف رغم وقف إطلاق النار، مرورًا بعواصم أوروبية أعلنت رفضها الانخراط في مجلس ذي تفويض واسع يثير مخاوف قانونية وسيادية، تتكشّف صورة متناقضة لسلام يُروَّج له سياسيًا، بينما يتآكل ميدانيًا.
في هذا المشهد، حضرت تصريحات أميركية مشدّدة حيال غزة وسلاح المقاومة، بالتوازي مع نقاشات إسرائيلية داخلية حول معبر رفح واستعادة جثمان، في وقتٍ تتواصل فيه خروقات الاحتلال، وفق فصائل فلسطينية، وسط غياب ضغط دولي فعلي. وفي المقابل، أعاد الرئيس الفلسطيني محمود عباس التأكيد، من موسكو، على وحدة الأرض والمؤسسات، ورفض أي ترتيبات تعمّق الانقسام أو تنتقص من دور السلطة الوطنية في غزة.
وعلى الضفة الأخرى من المشهد الفلسطيني، تحرّك الداخل العربي في إسرائيل نحو استعادة وحدةٍ افتقدها لسنوات، عبر توقيع قادة الأحزاب العربية وثيقة لإعادة تشكيل القائمة المشتركة، في محاولة لالتقاط لحظة سياسية فارقة قد تعيد رسم موازين التمثيل والتأثير.
بين سلامٍ يُدار من فوق المنصّات، وواقعٍ يفرض نفسه بالنار، وبين انقسامٍ دولي ووحدةٍ فلسطينية قيد التشكل، تتقاطع هذه التطورات لتطرح سؤالًا مركزيًا: أيّ سلام يُصاغ اليوم، ولصالح من؟
إذا، تقاطعت تطورات سياسية دولية وإقليمية وفلسطينية خلال الساعات الأخيرة، بين مساعٍ أميركية لتكريس إطار جديد لإدارة ما بعد الحرب في غزة، وانقسام أوروبي واضح حيال هذه المبادرة، مقابل تحركات فلسطينية رسمية وشعبية تؤكد وحدة الأرض والمؤسسات، وتعيد ترتيب البيت الداخلي في أكثر من ساحة.
ففي موسكو، استقبل رئيس دولة فلسطين محمود عباس السفراء العرب المعتمدين لدى روسيا، وأطلعهم على آخر المستجدات في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس، والجهود المبذولة لتثبيت وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية، والتخفيف من معاناة المواطنين، والانطلاق في عملية إعادة الإعمار. وشدد الرئيس على ضرورة منع التهجير والضم، ووقف التوسع الاستيطاني وإرهاب المستوطنين، والإفراج عن الأموال الفلسطينية المحتجزة، ووقف الإجراءات التي تستهدف تقويض مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية.
وأكد عباس أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، مشددًا على أهمية أن تضطلع السلطة الوطنية الفلسطينية بدورها المركزي في إدارة القطاع، وعلى ضرورة الربط المؤسسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ورفض أي ترتيبات إدارية أو قانونية أو أمنية تكرّس الانقسام أو الازدواجية.
في موازاة ذلك، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على هامش منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، توقيع ميثاق ما أُطلق عليه اسم “مجلس السلام”، بمشاركة عدد من قادة الدول، واصفًا المجلس بأنه إطار يضم “أعضاء مميزين”، ومؤكدًا أن إدارته “أنهت حروبًا امتدت سنوات طويلة”.
وفي كلمته، وجّه ترامب تهديدات مباشرة لحركة حماس، معتبرًا أن “عناصرها يولدون والبنادق في أيديهم”، ومشددًا على أن عدم التزام الحركة بتعهداتها سيقابل بـ“فعل اللازم”، مطالبًا بإعادة “الجثمان الأخير” من قطاع غزة. وأكد التزامه بنزع سلاح غزة وربط إعادة الإعمار بذلك، متحدثًا عن “سلام مجيد” في الشرق الأوسط.
من جانبه، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن اتفاق السلام في غزة سيكون “مستدامًا”، مؤكدًا أن استدامته أولوية لدى الرئيس ترامب، وأن التركيز الأميركي سينصب على مستقبل القطاع. وأشار إلى أن “مظلة مجلس السلام جمعت خصوم الأمس”.
بدوره، تحدث جاريد كوشنر عن “لجنة إدارة غزة”، معتبرًا أنها تضم “أشخاصًا مميزين”، ومؤكدًا العمل مع إسرائيل لخفض التصعيد، ومع حماس لنزع السلاح. وأضاف أن “غزة الجديدة” قد تشهد صناعات متقدمة وانعدامًا للبطالة، لكنه شدد على أن إعادة الإعمار لن تتم دون نزع سلاح حماس، داعيًا إلى فتح المجال أمام الاستثمارات.
في السياق ذاته، أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) سيناقش مطلع الأسبوع المقبل مسألة فتح معبر رفح وإعادة الجثمان الأخير، قبل أن توضح لاحقًا، نقلًا عن مصادر سياسية، أن فتح المعبر مرتبط بعودة جثمان الجندي الإسرائيلي ران غويلي، فيما أكد مصدر عسكري عدم تلقي أي تعليمات رسمية حتى الآن بشأن فتح المعبر.
في المقابل، برز انقسام أوروبي حيال “مجلس السلام”، إذ أعلنت بريطانيا وفرنسا والسويد وسلوفينيا رفضها الانضمام إليه، معتبرة أن تفويضه واسع ويثير مخاوف جدية تتعلق بتقويض دور الأمم المتحدة والنظام الدولي القائم على ميثاقها.
وأكدت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر أن لندن تدعم خطة ترامب ذات النقاط العشرين المتعلقة بغزة، لكنها شددت على أن هذا الدعم لا يعني الانضمام إلى المجلس، معتبرة أنه “معاهدة قانونية تثير قضايا أوسع”. وأشارت إلى القلق من مشاركة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مبادرة سلام، في ظل الحرب في أوكرانيا.
وفي باريس، أفادت مصادر مقربة من الرئيس إيمانويل ماكرون بأن فرنسا لا تنوي إعطاء رد إيجابي في هذه المرحلة، معتبرة أن الميثاق يتجاوز غزة ويمس مبادئ الأمم المتحدة. وأكدت الخارجية الفرنسية تمسكها بميثاق الأمم المتحدة باعتباره حجر الأساس للتعددية والقانون الدولي.
أما السويد، فأعلن رئيس وزرائها أولف كريسترسون أن بلاده لن توقّع على المجلس “بصيغته الحالية”، فيما أكدت الإذاعة السويدية أن القرار سيُناقش ضمن مشاورات أوروبية أوسع. وفي سلوفينيا، شدد رئيس الوزراء روبرت غولوب على رفض بلاده الانضمام للمجلس، معتبرًا أن تفويضه الواسع قد يقوض النظام الدولي، مع ترك الباب مفتوحًا أمام المشاركة في إطار أممي ضيق يقتصر على إعادة إعمار غزة.
فلسطينيًا، أكدت حركة حماس تمسكها باتفاق وقف إطلاق النار، متهمة الاحتلال بانتهاكه بشكل متواصل، ومشيرة إلى ارتقاء نحو 484 شهيدًا وإصابة 1297 آخرين منذ بدء وقف النار، في ظل غياب ضغط دولي فعلي. ودعت الحركة “مجلس السلام” إلى تحمل مسؤولياته في وقف الخروقات، وإلزام الاحتلال بإدخال المساعدات، وفتح المعابر، وبدء الإغاثة والإعمار، خاصة في ظل الظروف الإنسانية القاسية.
كما أعربت حماس عن استنكارها الشديد لضم رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، إلى المجلس، معتبرة ذلك مؤشرًا خطيرًا يتناقض مع مبادئ العدالة والمساءلة.
وفي الداخل الفلسطيني المحتل، وقّع رؤساء الأحزاب العربية الأربعة وثيقة للعمل على إعادة تشكيل القائمة المشتركة وخوض انتخابات الكنيست المقبلة معًا، خلال اجتماع في بلدية سخنين، أعقب مظاهرة حاشدة طالبت بالوحدة. ووقّع الوثيقة كل من سامي أبو شحادة، أيمن عودة، أحمد الطيبي، ومنصور عباس، تحت عنوان “قائمة مشتركة الآن”.
وأكد أبو شحادة أن إعادة تشكيل القائمة تستند إلى برنامج سياسي متفق عليه، معتبرًا أنها قادرة على أن تكون من أكبر الكتل في الكنيست. وتشير استطلاعات رأي حديثة إلى إمكانية حصول القائمة المشتركة، في حال تشكيلها، على ما بين 13 و15 مقعدًا، ما قد يعيد خلط الأوراق في المشهد السياسي الإسرائيلي.



