أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لم يتعلم الكرد من تجاربهم المريرة؛ فهم دائماً ما يؤسّسون ومن ثم يخسرون، بسبب عدم التقدير الدقيق للظروف الموضوعية والسياسية، وبناء تحالفات دولية غير محسوبة النتائج. تصادف اليوم ذكرى تأسيس “جمهورية مهاباد” (22 كانون الثاني 1946)، في وقتٍ يشهد فيه الوجدان الكردي انكساراً جديداً مع الانهيارات والتحديات الوجودية التي تتعرض لها تجربة “روجآفا” (شمال شرق سوريا)، ما يعيد طرح الأسئلة الصعبة حول جدوى الارتهان للقوى العظمى دون ضمانات سياسية صلبة.
مهاباد 1946: الدولة التي قايضها ستالين بالنفط
تأسست جمهورية مهاباد في أقصى شمال غرب إيران، مستغلةً الفراغ السيادي الناجم عن الأزمة الإيرانية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. أعلن القاضي محمد قيام الجمهورية مدعوماً بوعود سوفيتية، وفي غضون 11 شهراً فقط، تحولت تلك الوعود إلى رماد.
تاريخياً، قايض الاتحاد السوفيتي طموحات الكرد بامتيازات نفطية مع حكومة طهران، وانسحب الجيش الأحمر تاركاً مهاباد وحيدة أمام زحف الجيش الإيراني. سقطت الجمهورية لأن قيادتها لم تدرك أن التحالف مع القوى العظمى في زمن الحروب الباردة ليس عقداً أخلاقياً، بل هو مناورة مؤقتة تنتهي بانتهاء المصالح. دفع القاضي محمد حياته ثمناً لهذا الحلم، وأُعدم في ساحة “جوار جرا” دون أن تنكسر هامته، مخلفاً وراءه درساً في الكرامة، وآخر في “سذاجة المراهنة الدولية”.
من مهاباد إلى روجآفا: تكرار السيناريو
اليوم، تبدو تجربة “روجآفا” وكأنها استنساخ عصري لمأساة مهاباد. فبناءً على تحالف عسكري مع الولايات المتحدة في الحرب ضد “داعش”، اعتقدت القيادات السياسية في شمال شرق سوريا أن هذا التعاون سيتحول إلى اعتراف سياسي دائم يحمي كيانهم من التهديدات الإقليمية.
إلا أن الواقعية السياسية أثبتت مجدداً أن الكرد وقعوا في فخ “عدم تقدير الظروف الموضوعية”؛ فالتحالفات التي لا تستند إلى توازنات إقليمية مستقرة، وتتجاهل سيادة الدول والاتفاقات الكبرى بين العواصم (واشنطن، موسكو، أنقرة، طهران)، تظل كيانات “قلقة” قابلة للتفكك عند أول منعطف للمصالح الدولية.
تحليل التجربة: أين الخلل؟
بناءً على مراجع تاريخية، مثل دراسات وليام إيغلتون ود. كمال مظهر أحمد، يمكن تلخيص أسباب الفشل المتكرر في:
1. الارتهان للخارج: اعتبار القوى الدولية (سوفيتية سابقاً أو أمريكية حالياً) ضامناً استراتيجياً، بينما هي في الحقيقة قوى “تكتيكية”.
2. إهمال العمق الإقليمي: عدم القدرة على تصفير المشاكل مع المحيط الجغرافي المباشر، مما يجعل أي كيان ناشئ محاصراً بين فكي كماشة.
3. تغليب العاطفة القومية على الواقعية: بناء طموحات تفوق القدرة العسكرية والاقتصادية الذاتية على الصمود الطويل.
الخلاصة
مات القاضي محمد من أجل القضية، وأبقى رأس الكرد مرفوعاً باستشهاده، لكن إرثه السياسي يصرخ بضرورة قراءة خارطة المصالح العالمية بعيداً عن الرومانسية الثورية. إن ذكرى مهاباد اليوم ليست مجرد طقس للبكاء على الأطلال، بل هي جرس إنذار لما يحدث في روجآفا؛ فالدول لا تُبنى فقط بالتضحيات، بل بالدهاء السياسي والتحالفات التي لا تجعل من دماء الشعوب “ورقة مقايضة” في سوق النفط والنفوذ.



