أخباركم – أخبارنا / تقرير سوريا/ مسعود محمد
سوريا بين إعادة التموضع الإقليمي والتحولات الدولية
تشهد الساحة السورية في المرحلة الراهنة تطورات سياسية وميدانية متسارعة تعكس تحولاً نوعياً في مقاربة القوى الإقليمية والدولية للملف السوري، في ظل مؤشرات واضحة على إعادة ترتيب موازين النفوذ، وتراجع أدوار فاعلين كانوا محوريين خلال السنوات الماضية، مقابل صعود مقاربة جديدة تقوم على تعزيز منطق الدولة المركزية وحصرية القرارين السياسي والعسكري.
أولاً: الموقف التركي ودلالاته الإقليمية
أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن التطورات الجارية في سوريا أظهرت توافقاً غير مسبوق بين دول المنطقة والولايات المتحدة والمجتمع الدولي، تُرجم بسرعة إلى خطوات ملموسة، وهو ما نادراً ما تحقق في قضايا الشرق الأوسط. واعتبر أن نجاح هذا النموذج قد يفتح الباب أمام تطبيقه على قضايا إقليمية أخرى، بما يحقق مكاسب سريعة للأمن والاستقرار.
وأشار فيدان إلى أن المنطقة تمر بتحولات جذرية ولن تعود إلى سابق عهدها، مؤكداً أن بلاده تسعى لأداء دور بنّاء في نقل المنطقة إلى واقع أفضل، مع التشديد على ضرورة أن تتحمل دول الإقليم مسؤولية حل قضاياها ذاتياً بعيداً عن تدخلات القوى المهيمنة. ولفت إلى أن هذا التوجه يتقاطع مع رؤية الإدارة الأميركية الجديدة التي لا ترغب في لعب دور “شرطي النظام العالمي”.
ثانياً: وحدة سوريا كمرتكز للاستقرار
شدّد فيدان على أن الحفاظ على وحدة سوريا وسلامة أراضيها يمثل أولوية استراتيجية، ليس فقط للشعب السوري، بل للأمن والاستقرار الإقليمي برمته. ويتقاطع هذا الموقف مع إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استمرار جهود بلاده لتعزيز السلام في عدد من مناطق النزاع، وفي مقدمتها سوريا، في إطار محاولة تركية لتكريس دور دبلوماسي فاعل في مرحلة إعادة تشكيل النظام الإقليمي.
ثالثاً: مؤشرات التعافي الميداني في حلب
على المستوى الداخلي، أعلن محافظ حلب عزام الغريب انتهاء المرحلة الطارئة للاستجابة الإنسانية في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، مؤكداً عودة الحياة إلى طبيعتها واستعادة الأمن والاستقرار الكامل في المنطقة. وسجلت الأحياء عودة أكثر من 90 بالمئة من السكان إلى منازلهم، بالتوازي مع تحسن ملحوظ في الخدمات الأساسية، شمل الخبز، والنقل، والكهرباء، والصحة، والتعليم.
وتعكس هذه الخطوات توجهاً رسمياً نحو تثبيت الاستقرار الخدمي والمعيشي باعتباره مدخلاً ضرورياً لإعادة ترميم الثقة بين الدولة والمجتمع، ولتهيئة بيئة مواتية للانتقال من إدارة الأزمة إلى مرحلة التعافي التدريجي.
رابعاً: قوات سوريا الديمقراطية ومسار الدمج السياسي
في موازاة ذلك، برزت تحركات سياسية تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، حيث أعلن مظلوم عبدي عن لقاءات سياسية في هذا الإطار، بدعم من قيادة إقليم كردستان العراق وبالتنسيق مع الوسيط الأميركي، بهدف وقف إطلاق النار والعودة إلى الحوار وتطبيق الاتفاقيات الموقعة.
ويُنظر إلى هذا المسار بوصفه محاولة لإعادة إدماج المكوّن الكردي في الحياة السياسية السورية، ضمن إطار الدولة، في ظل متغيرات إقليمية ودولية لم تعد تسمح باستمرار نماذج الحكم الذاتي أو الكيانات المنفصلة.
خامساً: من العواطف إلى الواقعية السياسية
رغم صعوبة المرحلة وتعقيداتها، يتزايد في الصالونات السياسية المغلقة الحديث عن ضرورة انتقال القوى الكردية من مرحلة الخطاب العاطفي والرهانات القصوى إلى مرحلة ممارسة السياسة الواقعية، القائمة على قراءة دقيقة لموازين القوى والقبول بالحد الأدنى الممكن.
ويتمحور هذا الطرح حول الاندماج الكامل ضمن الدولة السورية على أساس المواطنة المتساوية، بما يضمن للكرد حقوقهم السياسية والمدنية، مع تمثيل بالحد الأدنى في البرلمان والحكومة ومؤسسات الدولة، وممارسة العمل السياسي من دمشق تقبلاً للظروف الموضوعية، والعمل على تطوير المكتسبات عبر المسار السياسي والمؤسساتي، لا عبر الصدام أو التعويل على دعم خارجي متقلب.
وفي هذا السياق، تشير المعطيات المتداولة إلى أن مظلوم عبدي تلقى نصائح بإبداء قدر من الليونة السياسية، باعتبار أن المرونة المرحلية قد تشكل مدخلاً لحماية الوجود السياسي للكرد داخل الدولة، وفتح المجال مستقبلاً لتوسيع هذا الحضور عبر الآليات الدستورية.
سادساً: التحول الأميركي وتراجع الرهان على «قسد»
كشفت تقارير دولية عن تحول لافت في الموقف الأميركي، تمثل في تراجع الدعم التقليدي لقوات سوريا الديمقراطية، مقابل انفتاح متزايد على الشراكة مع الدولة السورية. وأكد مسؤولون أميركيون أن واشنطن لا ترى مصلحة في الإبقاء على دور مسلح منفصل خارج إطار الدولة، في مؤشر واضح على إعادة تعريف أولوياتها في سوريا.
ويأتي هذا التحول بعد سنوات من اعتماد الولايات المتحدة على «قسد» في محاربة تنظيم داعش، قبل أن تتغير الحسابات السياسية مع تبدل المشهد الإقليمي والدولي.
سابعاً: حلّ الميليشيات وحدود الدمج العسكري
تُقرأ مقاربة ملف «قسد» اليوم ضمن سياق إقليمي أوسع، يشهد نقاشات متقدمة حول مستقبل التشكيلات المسلحة غير النظامية في المنطقة، في ظل مساعٍ متزايدة لإنهاء ظاهرة الميليشيات وإعادة الاعتبار لحصرية السلاح بيد الدولة.
وفي هذا الإطار، يبرز تحفظ واضح على فكرة دمج «قسد» كجسم عسكري كامل داخل الجيش السوري، لما قد يشكله ذلك من سابقة يمكن استخدامها لاحقاً لتبرير دمج تشكيلات مسلحة أخرى داخل جيوش دولها، وهو ما يتعارض مع أسس بناء الدولة الوطنية، ويهدد بإعادة إنتاج أزمات بنيوية في بنية الحكم.
وتشير القراءات الأمنية إلى أن الصيغة المقبولة تتمثل في تفكيك البنى العسكرية المستقلة، واستيعاب الأفراد وفق معايير مهنية ووطنية صارمة، وبشكل فردي أو ضمن وحدات جديدة تخضع كلياً للعقيدة العسكرية للدولة وتسلسلها القيادي، دون الإبقاء على هياكل أو قيادات موازية.
خلاصة
تعكس التطورات الأخيرة في سوريا مرحلة إعادة تعريف شاملة لمفهوم الدولة، عنوانها السياسة من دمشق لا من الجبهات، وحصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية. وبين التفاؤل الحذر والوقائع الصلبة، يبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة الأطراف السورية على تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع مستدام، ينقل البلاد من زمن الصراع إلى زمن الدولة.



