أخباركم – اخبارنا
تقرير لبنان السياسي
بين تصعيد إسرائيلي يتمدّد من الجنوب إلى البقاع، وحراك سياسي لبناني موزّع بين باريس وبيروت وواشنطن، يقف لبنان مرة جديدة عند تقاطع النار والقرار. غارات فاشلة في بعلبك، محاولات اغتيال متكررة، إطلاق نار على أطراف القرى الحدودية، ورسائل عسكرية لا تخطئ عنوانها: الضغط بالنار مستمر، فيما الدولة اللبنانية ما زالت تحاول التقاط أنفاسها السياسية والأمنية وسط واقع إقليمي شديد الاضطراب.
في المقابل، ينشط المسار الدبلوماسي على أكثر من خط. رئيس الحكومة نواف سلام في الإليزيه، ووزير خارجية قطر في بيروت، ووفد عسكري يستعد لواشنطن، في محاولة لإعادة تثبيت موقع الدولة اللبنانية كشريك شرعي في الأمن والدعم والإصلاح. غير أن هذه الجهود تصطدم بعقبة داخلية مزمنة، تتمثّل بسلاح خارج الشرعية، يضع لبنان في موقع الساحة المفتوحة، لا الدولة القادرة على ضبط قرار الحرب والسلم.
فبينما يناقَش دعم الجيش، وحصر السلاح، واستعادة السيادة، يواصل حزب الله فرض معادلة الأمر الواقع، رابطًا مصير البلاد بحسابات إقليمية لا تمتّ لمصلحة اللبنانيين بصلة. الجنوب يدفع الثمن، والبقاع يدخل دائرة الاستهداف، والاقتصاد ينزف، فيما الحزب يصرّ على تقديم نفسه لاعبًا فوق الدولة، لا تحت سقفها، متجاهلًا أن هذا المسار لم يجلب للبنان سوى العزلة والدمار والانكشاف.
في الداخل، تتزاحم الملفات من الموازنة إلى مزارع شبعا، ومن الغضب المتفجّر لأهالي ضحايا المرفأ إلى السجالات السياسية، في مشهد يعكس حجم الهوّة بين خطاب الدولة وممارسات الدويلة. وبين كل هذه التطورات، يبرز السؤال الجوهري: هل يملك لبنان شجاعة استعادة قراره، أم سيبقى رهينة سلاح يجرّه من أزمة إلى أخرى؟
إذا، ينشغل لبنان الرسمي في مرحلة شديدة الحساسية بحزمة ملفات سياسية وأمنية ومالية متداخلة، في وقت تتصاعد فيه الاعتداءات الإسرائيلية جنوبًا وتتوسّع نحو البقاع، وسط ترقّب إقليمي لأي تطور قد تقدم عليه واشنطن أو إسرائيل في سياق المواجهة المفتوحة مع إيران ومحورها. وفي موازاة الضغوط الميدانية، يتحرّك المسار الدبلوماسي اللبناني على أكثر من خط، في محاولة لتثبيت دور الدولة واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.
في هذا الإطار، تتواصل التحضيرات للمباحثات المنتظرة بين قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل والمسؤولين الأميركيين في واشنطن، حيث يتوجّه وفد عسكري الأسبوع المقبل إلى الولايات المتحدة للتنسيق مع القيادة الوسطى الأميركية بشأن اللقاءات المقررة بين الثالث والخامس من شباط المقبل. وتكتسب هذه الزيارة أهمية إضافية كونها تأتي في ظل تصاعد التوتر على الحدود الجنوبية، وحاجة لبنان إلى دعم عسكري ولوجستي متواصل للجيش اللبناني.
وبعد هذه الاجتماعات، يُعقد في الخامس والعشرين من شباط اجتماع للجنة “الميكانيزم” في الناقورة بحضور رئيس اللجنة الجنرال جوزيف كليرفيلد، في إطار متابعة الترتيبات الأمنية المرتبطة بالقرار 1701. وتشير معلومات إلى أن اللقاءات المرتقبة تشكّل خطوة أساسية في تعزيز التعاون العسكري بين لبنان والولايات المتحدة، إذ ستتناول أبرز التحديات الأمنية التي تواجه لبنان والمنطقة، إضافة إلى تطوير العلاقات الثنائية وتبادل الخبرات في مجالات الأمن والاستراتيجيات الدفاعية.
سياسيًا، يبرز ملف حصر السلاح بيد الشرعية كأحد أكثر الملفات حساسية، في ظل زيارات واتصالات خارجية لافتة. وفي هذا السياق، إلتقى رئيس الحكومة نواف سلام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، بعدما وصل إلى باريس قادمًا من سويسرا حيث شارك في مؤتمر دافوس الاقتصادي. ويُنظر إلى هذا اللقاء على أنه استكمال للجهد الذي قامت به اللجنة الخماسية في بيروت، والذي أفضى إلى تحديد موعد لمؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.
وتفيد مصادر فرنسية بأن الرئيس ماكرون اكد انطلاق التحضيرات الجدية لهذا المؤتمر، ليكون ترجمة فعلية للوعود الدولية بدعم المؤسسة العسكرية، ولا سيما في سياق تعزيز دور الدولة في بسط سلطتها. كما تتركّز المحادثات بين ماكرون وسلام على مسار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، في ضوء اللقاء الذي جمع سلام بمديرة الصندوق كريستالينا غورغييفا في دافوس، إضافة إلى مناقشة مشروع قانون الفجوة المالية، إلى جانب بحث التطورات الإقليمية وانعكاساتها على لبنان.
وفي موازاة التحرك الفرنسي، يصل إلى بيروت يوم الإثنين المقبل وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي، حيث يجتمع إلى كبار المسؤولين اللبنانيين، وفي مقدّمهم رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة، إضافة إلى قائد الجيش ومسؤولين أمنيين. وتركّز الزيارة على بحث سبل الدعم القطري للبنان، في ظل استعداد الدوحة لتقديم المزيد من المساعدات، خصوصًا في القطاعات الاقتصادية والتربوية والصحية.
كما تشمل المباحثات آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري في مجالات الطاقة والكهرباء، لا سيما أن لبنان طلب مساعدة قطر في ملف الكهرباء، وتأمين استجرار الغاز القطري عبر سوريا لزيادة التغذية الكهربائية. ويُتوقع أيضًا أن يُطرح ملف المساعدات القطرية المقدّمة للجيش اللبناني، مع إمكانية توسيعها لتشمل قوى الأمن الداخلي.
داخليًا، برزت زيارة رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى قصر بعبدا، في ظل الهجمة السياسية التي يشنها “محور الممانعة” على رئيس الجمهورية على خلفية مواقفه الداعية إلى حصر السلاح بيد الدولة. وخلال اللقاء، عرض الرئيس عون مع بري الأوضاع العامة في البلاد، ولا سيما الوضع في الجنوب في ضوء استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتوسّعها نحو البقاع. كما جرى التطرق إلى الاتصالات الجارية لمعالجة التصعيد، وسبل مساعدة أهالي القرى الحدودية المدمّرة على العودة إلى قراهم وتأمين الدعم اللازم لهم.
في سياق آخر، استقبل وزير الخارجية يوسف رجي وفدًا من اتحاد بلديات العرقوب وفاعليات المنطقة، حيث جرى التأكيد على لبنانية مزارع شبعا ورفض استغلال هذا الملف لأهداف سياسية. وأكد رجي أن قضية المزارع هي مسؤولية الدولة اللبنانية، مشددًا على أنها أولوية في عمل وزارة الخارجية التي تسعى، عبر الوسائل الدبلوماسية والقانون الدولي والتواصل مع سوريا، إلى تثبيت لبنانيتها، معتبرًا أن الملف ليس معقدًا كما يحاول البعض تصويره.
سياسيًا أيضًا، استقبل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي النائبين نعمة افرام وفريد هيكل الخازن، حيث جرى بحث الأوضاع المحلية والإقليمية. وأكد الخازن دعم مواقف البطريركية، مندّدًا بالحملات التي تستهدف رئيس الجمهورية، ومشددًا على ضرورة معالجة أي تباين سياسي بالحوار. ولم يستبعد الخازن قيام تحالفات سياسية مستقبلية في إطار التحضير للاستحقاقات الانتخابية، مؤكدًا أهمية إجراء الانتخابات في موعدها.
على الصعيد التشريعي، دعا رئيس مجلس النواب إلى جلسات عامة لمناقشة وإقرار مشروع الموازنة العامة لعام 2026، على مدى ثلاثة أيام في أواخر كانون الثاني الحالي، في ظل ضغوط مالية واقتصادية متزايدة.
في موازاة ذلك، شهدت بيروت تحركًا احتجاجيًا لأهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت أمام مبنى الجمارك، احتجاجًا على تعيين غراسيا القزي مديرة عامة للجمارك، رغم كونها مدّعى عليها في ملف الانفجار. واعتبر الأهالي أن القرار يشكّل طعنة للعدالة، مؤكدين أن الدم لا يُمحى بمرسوم، ومهدّدين بمنعها من تسلّم مهامها، في تصعيد يعكس عمق الغضب الشعبي بعد أكثر من خمس سنوات على الكارثة من دون محاسبة.



