أخباركم – أخبارنا
تقرير سوريا
على الرغم من الإعلان عن تمديد وقف إطلاق النار بين القوات السورية الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لا تزال مؤشرات التصعيد الميداني والسياسي تتصاعد في شمال شرقي سوريا، وسط تحركات عسكرية متبادلة، واتهامات بخرق الاتفاق، وتعقيدات متزايدة مرتبطة بملف معتقلي تنظيم داعش، الذي بات العامل الأبرز في تحديد مسار الهدنة ومستقبل المفاوضات.
مفاوضات سورية – إسرائيلية محتملة
وفي تطور لافت، قال مصدر مقرّب من الرئاسة السورية أن مسؤولين سوريين وإسرائيليين قد يعقدون اجتماعاً قريباً في باريس بوساطة أميركية، لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق أمني بين البلدين.
وبحسب المصدر، قد يشمل الاتفاق مشاريع اقتصادية مشتركة في المنطقة العازلة، مع حديث عن احتمال فتح سفارة إسرائيلية في دمشق قبل نهاية العام، وسط ضغوط أميركية متسارعة.
تحشيدات عند مداخل الحسكة
ميدانياً، أفادت وكالة أسوشييتد برس بأن قوات سوريا الديمقراطية دفعت بتعزيزات عسكرية إضافية إلى خطوط التماس عند مدخل مدينة الحسكة الجنوبي، حيث شوهدت عشرات المركبات العسكرية، بينها سيارات “همفي”، متمركزة عند دوار بانوراما على الطريق الرئيسي الواصل بين الحسكة والشدادي، والذي يشكّل خط المواجهة الأبرز بين الطرفين.
ونقلت الوكالة عن متطوع كردي يُدعى ديلو دومان، قدم من ألمانيا، قوله إن “قوات قسد منتشرة في كل مكان ومعنويات الرفاق عالية”، مضيفاً: “نحن لن نهاجم مهما كلف الأمر، لكن الطرف الآخر قد يهاجم”.
وتأتي هذه التحركات في وقت يفترض فيه أن يسري وقف لإطلاق النار، ما يعكس هشاشة الاتفاق واستمرار حالة انعدام الثقة بين الجانبين.
تمديد الهدنة… والسبب سجون داعش
في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع السورية، مساء السبت، تمديد مهلة وقف إطلاق النار لمدة 15 يوماً إضافية، بعد انتهاء هدنة سابقة استمرت أربعة أيام.
وقالت الوزارة في بيان رسمي إن التمديد يأتي “دعماً للعملية الأميركية لإخلاء سجناء تنظيم داعش من سجون قوات سوريا الديمقراطية ونقلهم إلى العراق”، مشيرة إلى أن هذه الخطوة ضرورية لتفادي أي مخاطر أمنية محتملة.
كما أفاد الجيش السوري أنه سيتم فتح ممرات إنسانية في مدينة الحسكة خلال الساعات المقبلة، مؤكداً في الوقت نفسه أن “قسد ما تزال ترتكب انتهاكات واسعة في مناطق سيطرتها، تشمل الاعتقال والتهجير والتعذيب”.
وشدد الجيش السوري على أنه “سيقف بوجه جميع المشاريع الإرهابية العابرة للحدود”، مؤكداً التزامه بـ”الحفاظ على وحدة الأراضي السورية”.
تضارب في المواقف حول التمديد
ورغم الإعلان الرسمي عن التمديد، سادت حالة من التضارب الإعلامي والسياسي حول مصير الهدنة.
فقد نقلت وكالة فرانس برس عن مصادرها أن الحكومة السورية و«قسد» وافقتا على تمديد وقف إطلاق النار، في حين نفت مصادر رسمية لقناتي “العربية” و”الحدث” وجود أي اتفاق نهائي على التمديد.
كما نقلت وكالة سانا عن مصدر في وزارة الخارجية السورية قوله إنه “لا صحة لما يتم تداوله بشأن تمديد المهلة”، ما يعكس وجود خلافات داخلية حول إدارة الملف.
وقال مصدر رسمي سوري إن “لا حاجة لتمديد المهلة”، مشيراً إلى أن “قسد لم تُظهر حتى الآن إشارات إيجابية تجاه عرض الدولة السورية”، ولم تقدم أسماء لمرشحين لمنصب معاون وزير الدفاع أو أعضاء مجلس الشعب، كما لم تطرح آلية واضحة لدمج المؤسسات أو خفض التحشيد العسكري.
تفاهم سياسي هش ومهلة للتشاور
وكانت الرئاسة السورية قد أعلنت، الثلاثاء الماضي، التوصل إلى تفاهم جديد مع قوات سوريا الديمقراطية، تضمّن مهلة أربعة أيام “للتشاور”، دون حسم الملفات الأساسية.
وبحسب نص التفاهم، لن تدخل القوات السورية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي في حال المضي بالاتفاق، على أن يُبحث لاحقاً الجدول الزمني والتفاصيل الخاصة بالدمج السلمي لمحافظة الحسكة، بما فيها مدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية.
كما نصّ التفاهم على عدم دخول الجيش السوري إلى القرى الكردية، بحيث “لا تتواجد أي قوات مسلحة، باستثناء قوات أمن محلية من أبناء المنطقة”.
ويتيح الاتفاق لقائد قسد مظلوم عبدي اقتراح مرشحين لمنصبي مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، إضافة إلى تقديم أسماء لتمثيل المنطقة في مجلس الشعب.
مقترح كردي عبر الوسيط الأميركي
في هذا السياق، كشف مصدر كردي لوكالة فرانس برس أن قوات سوريا الديمقراطية قدمت “مقترحاً عبر الوسيط الأميركي توم براك إلى الحكومة السورية”، في إطار المشاورات الجارية حول مستقبل المؤسسات الكردية.
ويتضمن المقترح أن “تتولى الحكومة السورية إدارة المعابر والحدود بما يضمن أمن المنطقة ويحافظ على استقرارها”، في خطوة اعتُبرت محاولة لإيجاد صيغة وسطية بين الطرفين.
وأضاف المصدر أن قسد سمّت بالفعل مرشحها لمنصب مساعد وزير الدفاع، وستقدم قريباً “قائمة للبرلمانيين”.
ملف المعتقلين… القنبلة المؤجلة
ويُعد ملف معتقلي تنظيم داعش أكثر الملفات تعقيداً وخطورة في هذا النزاع. فقد بدأت الولايات المتحدة، بالتزامن مع وقف إطلاق النار، عملية نقل واسعة للمعتقلين من سجون شمال شرقي سوريا إلى العراق.
وبحسب مصادر أميركية، يصل عدد المعتقلين إلى نحو 7000 شخص، بينهم قادة بارزون في التنظيم، إضافة إلى سوريين وعراقيين وأجانب، وقرابة ألف فتى وقاصر.
ووصلت بالفعل دفعة أولى تضم 150 عنصراً من سجون الحسكة إلى العراق، وسط مخاوف دولية من فرار المعتقلين في حال انهيار الوضع الأمني.
الإفراج عن 126 قاصراً من سجن الأقطان
وفي تطور لافت، أعلنت الحكومة السورية الإفراج عن 126 قاصراً كانوا معتقلين في سجن الأقطان بمدينة الرقة، بعد تسلّمه من قوات قسد.
ونقلت وكالة سانا عن أحد الأطفال المفرج عنهم تأكيده تعرضه لـ”الصعق الكهربائي والضرب بالمياه الباردة”، فيما أظهرت مشاهد مصورة خروج عدد من القاصرين حفاة الأقدام وبملابس خفيفة في أجواء شديدة البرودة.
وأكد الجيش السوري أن نقل سجناء الأقطان يمثل “الخطوة الأولى لتطبيق اتفاق 18 كانون الثاني/يناير”، على أن تتولى وزارة الداخلية السورية إدارة السجن بالكامل.
تراجع نفوذ قسد وخسارة الدعم الغربي
من جهتها، قالت صحيفة فايننشال تايمز إن قوات سوريا الديمقراطية “خسرت كثيراً من دعم حلفائها الغربيين”، خصوصاً بعد قرارها التخلي عن إدارة سجون داعش.
ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي غربي قوله إن “مخاطرة قسد بفرار سجناء داعش أثارت غضب الجميع”، ووضعت مستقبل الدعم الدولي موضع تساؤل.
كما أشارت صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع خاض “مقامرة عسكرية وسياسية محفوفة بالمخاطر” في شمال شرقي سوريا، لكنها نجحت سريعاً نتيجة انشقاقات داخل قسد وانضمام فصائل عربية إلى صفوف الحكومة السورية، ما أدى إلى انسحاب قسد من مساحات واسعة خلال أيام.
مشهد مفتوح على كل الاحتمالات
ورغم تمديد وقف إطلاق النار، تؤكد الوقائع الميدانية والسياسية أن شمال شرقي سوريا لا يزال يقف على حافة تصعيد جديد، في ظل تضارب المواقف، وتعقّد ملف المعتقلين، وتراجع الثقة بين دمشق و«قسد»، إضافة إلى الدور الأميركي الحاسم في إدارة هذا الملف الشائك.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل تشكل الهدنة الحالية جسراً نحو حل سياسي شامل، أم مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من الصراع؟



