أخباركم – أخبارنا
إبراهيم يوسف
ظهر اليوم منشور للسيد حسين الشرع، والد أحمد الشرع، على صفحته في موقع فيسبوك، أعلن فيه موقفًا معارضًا للهدنة المتوخاة من قبل أطهار سوريا، بكل مكوناتها، بين الكرد وميليشيات دمشق. وقد صاغ كلامه بروح خصومة لا تليق بشخص مسنّ مثله، ولا بروح المسؤولية التي يُفترض أن يتحلى بها من يريد أن يُقدَّم بوصفه أبًا لرئيس جمهورية مفترض.

إذ شبّه الكرد بالإسرائيليين، ورأى في الهدنة خدعة تستوجب الحذر، وكأن الدعوة إلى وقف النار ليست سوى فخ، وكأن الدم السوري قدرٌ يجب استدامته. هكذا جاء خطابه مشبعًا بشبهة التحريض لا بحكمة الكبار، ففي لحظات الاحتقان يُفترض بمن يتكلم أن يُطفئ النار لا أن ينفخ فيها.
وتكتسب المسألة خطورة مضاعفة لأن المتكلم ليس فردًا عاديًا في الشارع، بل والد من وصل إلى السلطة، فتغدو عبارته ذات ثقل سياسي، لا مجرد رأي شخصي. ومن هنا يبرز الخلل؛ إذ لم تعرف رئاسات المنطقة أن يتحول “أبو الرئيس” – أيّ رئيس – إلى وصي أو لاعب مباشر في الشأن العام، يوجّه الرسائل، أخطأ أم أصاب، ويحدّد بوصلة المواقف وفق ثقافة عنصرية تشرب بها، وكأن الدولة شأن عائلي لا مؤسسة عامة، وكأن القرار امتداد لظل بيت لا لهيكل حكم.
وأذكّره، وهو دارٍ وعارف، أن ولده أحمد الشرع وصل إلى الكرسي عبر مصادفة خاطئة غير مرغوب فيها، أقرب إلى ورقة يانصيب، لا عبر مواصفات ومقومات هو آخر من يمتلكها، ولا عن طريق تفويض أخلاقي. فقد افتقد الورقة الأهم: نظافة اليد من الدم. ومع ذلك حاول سوريون تقبّله على مضض، كلٌّ لأسبابه، أملًا في مرحلة أقل قسوة.
غير أن الوقائع أثبتت أن المجازر التي طالت العلويين والدروز لم تكن عثرة عابرة، بل نهجًا متكررًا، وها هو النهج ذاته يمتد اليوم نحو الكرد، بينما يأتي صوت الأب ليمنح هذا الخيار الدموي غطاءً خطابيًا “تنبؤيًا”، عبر قراءة فنجان فيسبوكي، فيصير التحريض عائليًا قبل أن يكون سياسيًا.
أيعقل أن يُشبَّه الكرد بالإسرائيليين، فيُخلط عمدًا بين شعب يعيش على أرضه منذ أجيال، وبين مشروع احتلال؟ تُستبدل الحقائق بتهم جاهزة، وتُختزل قضية مواطنة في صورة عدو، فيُفتح الباب أمام تسويغ القتل والتنكيل. فـنزع الإنسانية عن الضحية يسبق دائمًا إطلاق الرصاص، ومن هنا تبدو العبارة أخطر من رصاصة، لأنها تمهّد لها وتسوّقها.
كان الأجدر به، لو امتلك بعض الحكمة أو قليلًا من بعد النظر، أن يدعو إلى حقن الدم، وأن يذكّر ابنه بأن السلطة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون منصبًا، وأن يمدّ يده نحو التهدئة، لأن الهدنة فرصة لإنقاذ الأرواح لا مكيدة. غير أنه اختار طريقًا معاكسًا، فصار صوته امتدادًا لوصاية خارجية تضغط على دمشق وتسعى إلى استمرار الصراع، خدمةً لحسابات لا علاقة لها بحياة السوريين، كردًا وعربًا.
هكذا يتحول منشور فيسبوكي وصائي، مخدوع بزرقة الشاشة، إلى علامة إنذار، كاشفًا عن عقلية ترى السلام ضعفًا، والتعايش خدعة، بينما البلاد تحتاج كلمة تبني لا كلمة تهدم، وتحتاج أبًا ينصح لا محرّضًا يستعجل لعق الدم.



