أخباركم – اخبارنا
تقرير لبنان السياسي
لم يكن الليل في طرابلس مجرّد عتمة عابرة. كان امتحاناً قاسياً للفقراء، وقراراً مستحيلاً لعائلة قيل لها: اخرجوا فوراً… من دون أن يُقال لها إلى أين. خرجوا في البرد، بلا مال، بلا مأوى، وبلا مدينة تفتح ذراعيها. وحين ضاقت الخيارات حتى الاختناق، عادوا إلى المنزل المتصدّع، لا عناداً ولا استهتاراً، بل لأن الفقر لا يملك خطط طوارئ. هناك، تحت سقف آيل للسقوط، تركوا مصيرهم لربّهم… فانهار المبنى، وسقطت معه حكاية عائلة تشبه مئات العائلات التي تعيش على حافة الموت في مدينة يدفع أبناؤها إلى الهاوية بصمت.
هذه المأساة ليست حادثاً معزولاً، بل صورة مكثّفة عن بلد ينهار من الداخل، فيما تُدار أزماته بالبيانات والاجتماعات المتأخرة. في طرابلس، تتكشّف الدولة عادة بعد الكارثة، وتُستحضر الخطط حين يصبح الركام أعلى من الوعود. 105 مبانٍ مهدّدة بالسقوط، وعائلات تُطلب منها المغادرة من دون بديل، في معادلة قاسية: إمّا الشارع… أو الموت تحت الأنقاض.
وفيما كان الدفاع المدني يعمل باللحم الحي بحثاً عن أنفاس تحت الركام، كان المشهد السياسي يتحرّك على إيقاع آخر. رئيس الحكومة من باريس يرفع سقف الحديث عن حصر السلاح وتطبيق الطائف، فيما لبنان يغرق في فوضى اجتماعية وإنسانية لا تقل خطورة عن السلاح نفسه. رئاسة الجمهورية تتابع، الحكومة تعد، والوزراء يتفقدون… لكن العائلة التي عادت ليلاً إلى بيتها المتصدّع لم تكن تحتاج تصريحاً ولا وعداً، بل سريراً دافئاً، وقراراً يمنع الكارثة قبل وقوعها.
هكذا، بين أنقاض طرابلس، وضغوط السياسة، وملفات السلاح والحدود، يظهر السؤال الأكثر إلحاحاً: أي دولة هذه التي تطلب من فقرائها الاختيار بين البرد والموت؟
إذا، تتكرّر المأساة الإنسانية نفسها في طرابلس. مبانٍ تنهار، وأرواح تُعلَّق بين الحياة والموت، فيما المدينة المنهكة تنال حصتها الدائمة من الكوارث. إن لم يكن بالفلتان الأمني أو بقوارب الهجرة، فبانهيار الأبنية القديمة التي تحوّلت إلى أفخاخ موت. ليست هذه الحادثة الأولى في منطقة القبة، إذ سبقتها انهيارات جزئية لشرفات ومنازل، في مدينة اعتادت الكوارث من دون معالجة جذرية تمنع تكرارها.
الدفاع المدني يواصل جهوده لانتشال أفراد العائلة العالقة تحت أنقاض المبنى السكني المؤلف من خمسة طوابق، والذي انهار فجرًا في منطقة القبة – شارع الجديد، وسط ظروف بالغة الصعوبة ونقص في المعدات. وفي آخر المستجدات، أعلن المدير العام للدفاع المدني بالتكليف العميد الركن عماد خريش انتشال جثة والد العائلة، إضافة إلى وفاة إحدى المحتجزات بعد سحبها من تحت الركام، فيما لا يزال مصير طفلين ورجل مجهولاً.
وكان المبنى قد أُخلي من سكانه قبل يوم من انهياره بعد ظهور تصدّعات خطيرة، إلا أن عائلة المير رفضت الإخلاء لعدم توافر أي مأوى بديل، فعادت إليه ليلاً، قبل أن ينهار فوق رؤوسهم.
في موازاة ذلك، عقد وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار اجتماعًا موسّعًا في سرايا طرابلس خُصّص لبحث تداعيات الانهيار وملف الأبنية الآيلة للسقوط. وشارك في الاجتماع محافظ الشمال بالإنابة إيمان الرافعي، ورئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة، والأمين العام للهيئة العليا للإغاثة اللواء بسام نابلسي، ونقيب المهندسين في الشمال شوقي فتفت، إضافة إلى ممثلين عن الأجهزة الأمنية والدفاع المدني والصليب الأحمر.
وأكّدت الرافعي أن ملف الأبنية المهددة يشكّل أولوية قصوى نظراً لمخاطره المباشرة على السلامة العامة، مشددة على ضرورة تسريع عمليات الكشف الهندسي ووضع آلية واضحة للتدعيم أو الإخلاء عند الحاجة. كما شددت على أهمية تأمين التمويل وإنشاء صندوق خاص للترميم، بالتنسيق مع مجلس الإنماء والإعمار والهيئة العليا للإغاثة وبلدية طرابلس ونقابة المهندسين، مع توفير بدائل سكنية مؤقتة ولائقة للمتضررين.
بدوره، أشار اللواء نابلسي إلى أن المشكلة في طرابلس «تشبه كرة لهب»، موضحاً أن هناك 105 مبانٍ بحاجة إلى إنذارات فورية بالإخلاء، والعمل جارٍ على تأمين بيوت جاهزة أو بدلات إيواء، بانتظار اجتماع حكومي يُعقد مطلع الأسبوع المقبل لتخصيص الأموال اللازمة للتدعيم والمعالجة.
من جانبه، أكّد وزير الداخلية أحمد الحجار، خلال تفقده موقع الانهيار، أن الدولة حاضرة إلى جانب أبناء طرابلس «من دون أي تمييز»، وأن الأولوية المطلقة هي إنقاذ الأرواح. وقال: «تربّيت في أحياء شعبية، وسكان هذه المناطق مواطنون من الدرجة الأولى»، لافتاً إلى وعود من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بتأمين الأموال اللازمة للترميم وبدلات الإيواء.
وأصدر الدفاع المدني بياناً أكد فيه إنقاذ طفلة ونقلها إلى المستشفى بحالة مستقرة، مشدداً على ضرورة إخلاء محيط المبنى لتسهيل أعمال الإنقاذ، فيما أوضح العميد خريش أن فرق الإنقاذ تواصلت مع أشخاص أحياء تحت الركام، لكن الضجيج يعيق تحديد أماكنهم بدقة.
سياسياً، تابع رئيس الجمهورية جوزاف عون الحادثة وطلب فتح تحقيق لتحديد المسؤوليات، فيما شدد رئيس الحكومة نواف سلام على أن الحكومة تولي قضية الأبنية المهددة في طرابلس أهمية قصوى، مؤكداً أن حماية أرواح المواطنين أولوية مطلقة.
وفي موازاة المشهد الإنساني، برزت مواقف سياسية لسلام من باريس، حيث شدد على التزام الحكومة حصر السلاح وتطبيق اتفاق الطائف، مؤكداً أن الدولة بسطت سيطرتها العملانية على جنوب الليطاني، وأن دور «الميكانيزم» لم ينتهِ. كما تحدث عن الدعم الدولي، وقروض البنك الدولي وفرنسا، والحاجة إلى الأمن والإصلاح لجذب الاستثمارات.
في المقابل، وفي موقف لافت وغير مسبوق، صدر عن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب نبيه بري ما يلي : “ما ورد في صحيفة الأخبار حول إقتراح مزعوم للرئيس نبيه بري بالشأن المتصل بالمفاوضات هو محض إختلاق وتضليل وكذب، وقد إعتادت الأخبار على مثل هذه الأخبار” .
من جهة ثانية، تصاعد السجال السياسي والنيابي بين رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان وعضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب غادة أيوب، على خلفية ما جرى في جلسة مناقشة المواد المعلّقة في مشروع قانون موازنة العام 2026، وسط تبادل بيانات واتهامات متبادلة بتشويه الوقائع وتغطية المخالفات.
في بيان صادر عن مكتبه الإعلامي، اعتبر كنعان أن النائب أيوب تراجعت عن اتهاماتها للجنة المال والموازنة بـ«تفخيخ» الموازنة، واصفًا مواقفها بأنها تدخل في إطار «بطولات وهمية» تفتقد للمصداقية. وأكد أن التعديلات التي أُثير الجدل حولها هي مواد واردة من وزارة المالية، جرى ترحيل البتّ بها إلى الهيئة العامة، وليس كما زعمت أيوب أنها مواد مقدّمة منه شخصيًا.
وأشار البيان إلى أن النائب أيوب كان يفترض بها، «وفق الأصول»، انتظار تقرير رئيس اللجنة ومحضر النقاشات، موضحًا أن الحديث عن مناقشة المواد المعلّقة سبق أن طُرح في أكثر من جلسة، إما تم تجاهله أو غابت عنه أيوب. وأضاف أن إحدى المواد التي جرى التصويت عليها من حيث المبدأ، كانت موزّعة مسبقًا وموجودة على بريدها الإلكتروني وهاتفها الخلوي، مشددًا على أن «مكاشفة الرأي العام» ستتم في مطلع جلسة الموازنة يوم الثلاثاء.
في المقابل، ردّ تكتل «الجمهورية القوية» ببيان اعتبر فيه أن ما حصل داخل لجنة المال والموازنة يشكّل «تجاوزًا خطيرًا للأصول الدستورية والتشريعية»، عبر محاولة إدخال أكثر من 20 مادة إضافية أرسلتها وزارة المالية في اليوم نفسه، من دون توزيعها مسبقًا على النواب ومن دون إقرارها في مجلس الوزراء.
واستند التكتل إلى المادة 19 من قانون المحاسبة العمومية، التي تمنع إدخال أي زيادات على مشروع الموازنة خلال مناقشته، إلا بعد أخذ رأي وزارة المالية الخطي وموافقة مجلس الوزراء، معتبرًا أن التصويت «من حيث المبدأ» على هذه المواد يشكّل تشريعًا خارج الأصول، إضافة إلى مسّ بصلاحيات مجلس الوزراء المنصوص عليها في المادة 65 من الدستور.
وأكد نواب «الجمهورية القوية» أنهم اعترضوا بوضوح داخل اللجنة، ودعوا إلى نشر محضر الجلسة كاملًا «لأن الحقيقة لا تحتاج إلى بيانات هجومية».
بدورها، ذهبت النائب غادة أيوب أبعد، متحدّية كنعان علنًا نشر محضر الجلسة «بالصوت والصورة إن وُجدا»، لعرض الاعتراضات والمشادات التي حصلت، ورفضها التصويت على مواد لم تُوزّع ولم تُدرس. وشددت على أن المشكلة ليست بالشعارات، بل بمحاولة فرض تصويت خارج الأصول، معتبرة أن «الموازنة ليست صندوق بريد، والدولة لا تُبنى بالمخالفات».
من جهته، قام رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل بجولة في ساحل الشوف شملت الناعمة والدامور والمشرف، ركّز خلالها على المصالحة والذاكرة الوطنية والعيش المشترك. ودعا إلى تنقية الذاكرة من آلام الحرب عبر الحوار، معتبرًا أن نجاح الدامور في ذلك هو نجاح للبنان. شدّد على عدم بيع الأراضي، وعلى أهمية تثبيت الوجود والتنمية السياحية والإنمائية. وأكد أن التيار تقدّم باقتراح قانون لإرساء الذاكرة الوطنية ومعالجة ملف المفقودين، بهدف شفاء الجراح ومنع تكرار الحرب. كما دعا إلى احترام الاختلاف السياسي تحت سقف الوحدة الوطنية، معتبرًا أن لبنان لا يقوم إلا بشراكة مسيحييه ومسلميه.



