أخباركم أخبارنا/ تقرير إيران/ مسعود محمد
يُطرح في بعض الأوساط سؤالٌ حذر: هل يمكن أن يكون الأول من شباط موعدًا محتملًا لضربة ضد إيران، تزامنًا مع ذكرى عودة آية الله روح الله الخميني من المنفى؟
السؤال يُطرح بوصفه قراءة سياسية رمزية لا معلومة مؤكدة، إذ لا توجد حتى الآن أي مؤشرات رسمية أو تسريبات موثوقة تحدد تاريخًا بعينه لأي عمل عسكري.
ويحمل الأول من شباط دلالة خاصة في الذاكرة الإيرانية، إذ شهد في 1 شباط/فبراير 1979 عودة الخميني من منفاه في فرنسا، قادمًا من ضاحية نوفل لو شاتو قرب باريس إلى مطار مهرآباد في طهران، بعد نحو 14 عامًا من المنفى. تلك العودة شكّلت لحظة مفصلية أنهت عمليًا حكم الشاه ومهّدت لانتصار الثورة الإسلامية بعد أيام قليلة، في 11 شباط من العام نفسه.
لهذا السبب، يُعدّ هذا التاريخ رمزًا سياسيًا شديد الحساسية داخل إيران، وتحرص الدولة سنويًا على إحيائه بوصفه لحظة تأسيسية للجمهورية الإسلامية. ومن هنا يأتي التداول الإعلامي حوله اليوم، ليس كمعطى استخباري، بل كقراءة للرمزية السياسية واحتمالات توظيف التواريخ المفصلية في الصراعات الكبرى.
حتى اللحظة، يبقى الحديث عن ضربة في هذا التوقيت في إطار التحليل والتكهن، لا في خانة الوقائع المؤكدة، خصوصًا أن أي تصعيد عسكري من هذا النوع تحكمه اعتبارات استراتيجية معقدة تتجاوز البعد الرمزي وحده.
تعكس عناوين الصحف الإيرانية الصادرة صباح الأحد 25 كانون الثاني صورة مكثفة عن أولويات السلطة في لحظة داخلية حساسة، تتداخل فيها الاحتجاجات المستمرة مع الضغوط السياسية والأمنية، وسط مساعٍ رسمية لإظهار السيطرة وضبط الإيقاع العام. القراءة المتأنية لهذه العناوين تكشف رسائل واضحة موجّهة للداخل قبل الخارج، تقوم على تثبيت خطاب الأمن، وتقديم سردية “الإدارة الحكومية للأزمة”.
كيهان: الردع أولًا وتبرير التشدد
تصدر صحيفة كيهان بعناوين ذات نبرة أمنية حادة، من أبرزها:
- «الشرطة الأميركية للمتظاهرين: من يرمي الحجارة سيقتل!»
- «البنك المركزي يقدّم تقارير عن تحسين المعيشة وسوق الصرف أمام رؤساء السلطات»
- «موسكو: باريس ارتكبت أعمال شغب ولن نتسامح معها»
هذه العناوين تعكس بوضوح محاولة إسقاط نموذج “القمع الشرعي” في الغرب لتبرير النهج الأمني داخليًا، عبر القول إن التشدد ليس استثناءً إيرانيًا بل ممارسة عالمية. في الوقت ذاته، يجري ربط الأمن بالاقتصاد من خلال إبراز دور البنك المركزي، في رسالة مفادها أن الدولة تمسك بزمام الأمن والمعيشة معًا، وأن الأزمة تحت السيطرة المؤسسية.
صحيفة إيران: إدارة الأزمة لا إنكارها
أما صحيفة إيران، الناطقة باسم الحكومة، فقد ركزت على إبراز ما وصفته بالتحرك التنفيذي السريع، عبر عناوين من بينها:
- «30 إجراءً حكوميًا خلال 14 يومًا من الاضطرابات»
- «فلتكن ثقافة الاعتراض قائمة على بنى مؤسسية وقانونية»
- «اجتماع أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي مع القائد العام للحرس الثوري»
وتعكس هذه العناوين محاولة رسم صورة “الدولة المستجيبة”، التي لا تكتفي بالحلول الأمنية، بل تتحرك إداريًا وتنظيميًا لاحتواء التوتر. غير أن اقتران الحديث عن “ثقافة الاعتراض القانونية” مع إبراز الاجتماعات الأمنية العليا، يوحي بأن الملف ما زال يُدار أساسًا من زاوية أمنية، مع فتح هامش شكلي للنقاش المؤسسي.
هل هناك قلق من الحرب؟
رغم غياب أي عنوان مباشر يشير إلى حرب وشيكة، إلا أن ثقل العناوين الأمنية، وخصوصًا إبراز اللقاءات بين أعلى المستويات الأمنية والعسكرية، يعكس حالة استنفار واضحة. هذا الاستنفار يمكن قراءته بوصفه استعدادًا لأسوأ السيناريوهات، سواء على مستوى الداخل أو في حال تداخل الاحتجاجات مع ضغوط خارجية وتصعيد إقليمي محتمل. القلق هنا غير مُعلن، لكنه حاضر بين السطور.
ما نعرفه عن “30 إجراءً حكوميًا”
المعلومة المؤكدة، وفق ما نشرته الصحف، هي إعلان الحكومة اتخاذ 30 إجراءً خلال 14 يومًا لمواجهة الاضطرابات. غير أن تفاصيل هذه الإجراءات لم تُعرض في العناوين ذاتها، ما يشير إلى أن الإعلان يخدم بالدرجة الأولى هدفًا سياسيًا وإعلاميًا: إظهار الفعل والحركة، أكثر من تقديم مضمون واضح للرأي العام. ويعكس ذلك نمطًا مألوفًا في إدارة الأزمات، حيث يُستخدم العدد والسرعة كدليل على الجدية، حتى قبل اتضاح النتائج.
تُظهر عناوين الصحف الإيرانية اليوم مشهدًا يقوم على ثلاث ركائز:
- تأكيد القبضة الأمنية بوصفها خط الدفاع الأول عن النظام.
- إبراز تحركات حكومية متسارعة لإظهار القدرة على السيطرة والإدارة.
- التعامل مع الاحتجاجات كملف أمني–سياسي أكثر منه أزمة اجتماعية عميقة.
وبينما تسعى الصحافة الرسمية إلى بث رسائل الطمأنة والسيطرة، تكشف اللغة المستخدمة عن توتر حقيقي، وعن مرحلة دقيقة تحاول فيها السلطة الإمساك بالتوازن بين الردع، والاحتواء، وتجنّب الانزلاق إلى سيناريوهات أكثر خطورة.



