أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لم يعد ترشيح فؤاد حسين لرئاسة الجمهورية العراقية مجرد تنافس سياسي بين حزبين كرديين، بل تحوّل إلى عنوان أوسع يمسّ شرعية النفوذ داخل إقليم كردستان نفسه. فالمعركة التي انطلقت من بغداد ارتدّت سريعاً إلى الداخل الكردي، لتفتح سؤالاً حساساً حول من يملك حق إعادة رسم القواعد السياسية التي حكمت الإقليم والعلاقة مع الدولة الاتحادية منذ 2003.
منذ عام 2005، تأسس التوازن الكردي على عرف سياسي غير مكتوب: رئاسة الجمهورية من حصة الاتحاد الوطني الكردستاني، مقابل رئاسة إقليم كردستان للحزب الديمقراطي الكردستاني. هذا التفاهم لم يكن شكلياً، بل شكّل أساساً لتقاسم الشرعية والنفوذ، ووفّر مظلة حالت دون تفجّر الصراع الداخلي. انتخاب جلال طالباني أول رئيس كردي للعراق كرّس هذا العرف، وجعل من المنصب الاتحادي رمزاً لدور الاتحاد الوطني خارج حدود الإقليم.
اليوم، ومع انسحاب نوزاد هادي من السباق الرئاسي وتثبيت فؤاد حسين مرشحاً وحيداً للحزب الديمقراطي، يتم خرق هذا العرف بصورة مباشرة. هذا الخرق لا يمكن قراءته كمجرد خطوة انتخابية، بل كمحاولة واعية لإعادة تعريف مصدر الشرعية السياسية. فالحزب الديمقراطي لم يعد يكتفي بشرعية السيطرة داخل الإقليم، بل يسعى إلى جمع شرعية الإقليم وشرعية الدولة الاتحادية في آن واحد، بما يعنيه ذلك من انتقال من منطق الشراكة إلى منطق التفوق.
قبول نوري المالكي، ومعه قوى مؤثرة في بغداد، بهذا المسار منح الخطوة غطاءً اتحادياً، لكنه في الوقت ذاته كشف هشاشة الأعراف التي قام عليها النظام السياسي. فإذا أمكن كسر العرف الكردي الأهم من دون كلفة فورية، فإن ذلك يفتح الباب أمام كسر أعراف أخرى حكمت توزيع السلطة بين المكونات، ويحوّل التوازنات من قواعد مستقرة إلى تفاهمات قابلة للانهيار عند أول اختبار قوة.
داخل كردستان، تبدو التداعيات أعمق. الاتحاد الوطني الكردستاني يرى في هذا المسار ضرباً لآخر مصادر شرعيته العابرة للإقليم. فخسارة رئاسة الجمهورية لا تعني فقدان منصب سيادي فحسب، بل تعني انحسار الدور السياسي إلى نطاق محلي محدود، في مقابل حزب ديمقراطي يكرّس هيمنة شبه كاملة على مفاصل القرار. هذا الخلل في التوازن يهدد بإعادة إنتاج الانقسام الكردي التاريخي، ولكن من دون أعراف ضابطة أو تسويات متفق عليها.
في المقابل، يراهن الحزب الديمقراطي على منطق النتائج: من يمتلك النفوذ الأكبر يملك حق إعادة صياغة القواعد. غير أن هذا الرهان يحمل مخاطر واضحة، إذ إن شرعية النفوذ حين تُبنى على كسر الأعراف لا على التوافق، تتحول إلى مصدر توتر دائم. ومع غياب آلية مشتركة لإدارة الخلاف، يصبح الصراع مفتوحاً على احتمالات تصعيد سياسي ومؤسساتي داخل الإقليم.
في المحصلة، لم تعد رئاسة الجمهورية منصباً بروتوكولياً في هذا السياق، بل تحوّلت إلى أداة صراع على الشرعية نفسها. كسر الأعراف قد يحقق مكسباً سياسياً آنياً، لكنه يضع الإقليم أمام مرحلة جديدة أقل استقراراً، حيث تُستبدل الشراكة بمنطق الغلبة، وتُختبر قدرة النظام السياسي الكردي على البقاء من دون القواعد غير المكتوبة التي شكّلت عموده الفقري طوال العقدين الماضيين.



