أخباركم – أخبارنا
تقرير سوريا
يتصاعد التوتر في شمال وشمال شرقي سوريا على وقع مواجهات عسكرية، واتهامات متبادلة بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، تتشابك فيها الملفات الأمنية والإنسانية والسياسية، من محيط عين العرب (كوباني) وصولًا إلى الرقة والحسكة. وبينما تؤكد دمشق تمسكها بالحل السياسي ومنع الانزلاق إلى اقتتال داخلي، تتهم قوات سوريا الديمقراطية «قسد» القوات الحكومية بخرق الهدنة، في مشهد يعكس هشاشة التفاهمات، ويضع مستقبل الاستقرار في المنطقة أمام اختبار بالغ الحساسية.
بيان الجيش السوري… مسيّرات انتحارية وتصعيد خطير
فقد أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري أن قوات سوريا الديمقراطية خرقت اتفاق وقف إطلاق النار، واستهدفت مواقع انتشار الجيش في محيط منطقة عين العرب شمال شرقي محافظة حلب، مستخدمةً أكثر من 25 طائرة مسيّرة انتحارية من نوع FPV.
وأوضح البيان أن هذا الهجوم أدى إلى تدمير أربع آليات عسكرية، إضافة إلى استهداف الطريق الدولي M4 والقرى المحيطة به عدة مرات، ما أسفر عن إصابة عدد من المدنيين، وخلق حالة من الذعر بين الأهالي.
كما أشار الجيش إلى أن «قسد» واصلت نهج الاعتقال الممنهج بحق السكان، حيث أقدمت على حصار بعض العائلات في محيط قرية الشيوخ بهدف اعتقال أبنائهم، ما أدى إلى اشتباكات مع الأهالي وسقوط إصابات في صفوف المدنيين.
وختم البيان بالتأكيد على أن الجيش السوري يدرس خياراته الميدانية حاليًا، وسيقوم بما يلزم ردًا على استهداف الأهالي ومواقع انتشاره.
دمشق تؤكد… لا اقتتال داخلي والحل سياسي
في موازاة التصعيد، أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، أن الدولة السورية لا تريد جر البلاد إلى صراع داخلي، موضحًا أن دمشق تمهلت في دخول المناطق ذات الغالبية الكردية لتجنب الاقتتال.
وقال البابا في تصريحات إعلامية إن «قسد» تسوّق للصراع على أسس عرقية بين العرب والأكراد عبر خطابها الإعلامي، وتمارس التضليل بحق السكان في المناطق التي تسيطر عليها، من خلال الترويج لوجود استهداف للأكراد بدوافع عرقية.
وشدد على أن أولوية الدولة السورية هي الحفاظ على التفاهمات القائمة، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، لافتًا إلى أن استخدام القوة جاء فقط لفرض حلول سياسية كانت «قسد» قد وافقت عليها سابقًا، لكنها تهربت من تنفيذها.
كما أكد البابا أن «قسد لا تمثل القضية الكردية»، معتبرًا أن استمرار ما وصفه بـ«الجيوب المسلحة» يشكل عائقًا أمام تحقيق الاستقرار.
«قسد» ترد… اتهام بخرق الهدنة وقصف القرى
في المقابل، نفت قوات سوريا الديمقراطية الاتهامات الموجهة إليها، وقالت إن القوات الحكومية والفصائل الموالية لها تواصل ارتكاب خروقات خطيرة ومتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار في عين العرب ومناطق الجزيرة السورية.
وأعلنت «قسد» أنها صدّت هجومًا بريًا على قرية خراب عشك جنوب شرقي عين العرب، تزامن مع قصف مدفعي كثيف طال قرى خراب عشك، الجلبية، شيخلر/الشيوخ، وزيرك.
كما اتهمت القوات الكردية الجيش السوري بفرض «حصار» على مدينة عين العرب، في وقت باتت فيه القوات الحكومية على تخوم المدينة، بعد انسحاب «قسد» من مناطق واسعة باتجاه الحسكة.
ضحايا مدنيون وتحذيرات حقوقية
وسط التصعيد، وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل طفل وإصابة ثلاثة أطفال آخرين بجروح متفاوتة، جراء قصف مدفعي استهدف قرية القاسمية في ريف عين العرب، مصدره مواقع تسيطر عليها القوات الحكومية والمجموعات الموالية لها في ريف حلب الشرقي.
وأكد المرصد أن القصف تسبب بحالة من الذعر والرعب في صفوف الأهالي، خصوصًا النساء والأطفال، وسط مخاوف من عودة الاستهداف العشوائي للقرى المأهولة، وانهيار فرص التهدئة.
ملف سجن الأقطان..
عاد سجن الأقطان في محافظة الرقة إلى الواجهة، بعد إعلان الحكومة السورية الإفراج عن ما لا يقل عن 126 قاصرًا كانوا محتجزين داخله، في خطوة أثارت تفاعلًا واسعًا في الشارع المحلي.
وفي أعقاب موجة غضب في مدينة الرقة، أقرت قوات سوريا الديمقراطية بأنها خصصت قسمًا في سجن الأقطان للقاصرين، موضحة أن بعضهم متورط في قضايا جنائية رُفعت بشأنها شكاوى رسمية، فيما وقع آخرون ضحايا للتجنيد والاستغلال من قبل تنظيم «داعش».
وأكدت «قسد» أن القاصرين خضعوا لما وصفته بـ«معاملة خاصة» وبرامج تأهيل نفسي واجتماعي تتوافق مع المعايير الدولية، إلا أن شهادات عدد من الأطفال المفرج عنهم تحدثت عن تعرضهم لتعذيب وصعق بالكهرباء، وظهورهم بملابس خفيفة وحفاة وسط موجة برد قاسية، ما أثار انتقادات حقوقية واسعة.
وزارة العدل السورية وتوضيح المسارات القانونية
أوضحت وزارة العدل السورية آليات التعامل مع ملفات الموقوفين في سجن الأقطان، مؤكدة أن لجانًا قضائية مختصة تتابع أوضاعهم بصورة مستمرة.
وبيّنت أن الملفات تنقسم إلى قضايا إرهابية مرتبطة بتنظيم «داعش»، وأخرى جنائية، إضافة إلى قضايا وصفتها بـ«التعسفية» والمتعلقة بحرية الرأي والتعبير، مؤكدة أن كل ملف يُعالج وفق طبيعته القانونية وأصول المحاكمات الجزائية.
نقل معتقلي «داعش» ودور التحالف الدولي
في تطور متصل، نفّذت قوات التحالف الدولي عمليات نقل لأكثر من 300 معتقل من عناصر تنظيم «داعش» من سجون الحسكة، ولا سيما سجن الصناعة، إلى العراق، تحت إجراءات أمنية مشددة.
وأكدت مصادر مطلعة أن عمليات النقل جرت بسرية وخلال ساعات الليل، خشية استهداف القوافل من خلايا التنظيم. وأعلنت بغداد تسلم دفعات من المعتقلين، تمهيدًا لفرز الجنسيات، وتسليم الأجانب إلى دولهم، ومحاكمة العراقيين وفق القانون.
تمديد الهدنة وتفاهمات سياسية جديدة
وكانت وزارة الدفاع السورية أعلنت تمديد وقف إطلاق النار لمدة 15 يومًا إضافيًا، مؤكدة أن التمديد يأتي دعمًا لجهود التهدئة، وبالتزامن مع العملية الأميركية لإخلاء سجناء «داعش» من سجون «قسد».
كما كشفت الرئاسة السورية عن تفاهم جديد مع «قسد»، يتضمن عدم دخول القوات الحكومية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، ومناقشة جدول زمني لدمج قوات «قسد» ضمن الجيش السوري، إضافة إلى تمكين قائد «قسد» مظلوم عبدي من اقتراح أسماء لمناصب رسمية.
في خلفيات التصعيد وتداعياته
لا يمكن فصل التطورات الميدانية الأخيرة عن السياق السياسي الأوسع للصراع في شمال سوريا. فمدينة عين العرب تمثل عقدة جغرافية وعسكرية شديدة الحساسية، نظرًا لموقعها القريب من الحدود التركية، ولرمزيتها بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية، التي باتت بعد انسحابها من الرقة ودير الزور في موقع دفاعي محدود الخيارات.
في المقابل، تبدو دمشق حريصة على تحقيق مكاسب ميدانية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تحمل أبعادًا داخلية وإقليمية، وهو ما يفسر خطابها المتكرر حول «التمهّل» و«منع الاقتتال الداخلي».
أما ملف سجن الأقطان، فقد تحوّل من قضية أمنية إلى ورقة ضغط سياسية وإنسانية، إذ ألقى الضوء على أوضاع القاصرين، وأعاد طرح أسئلة حول إدارة السجون، والشرعية القانونية، وحقوق الإنسان، في مناطق كانت خارج سيطرة الدولة.
ويضاف إلى ذلك ملف معتقلي تنظيم «داعش»، الذي لا يزال عاملًا ضاغطًا في حسابات جميع الأطراف. فنقل المئات منهم إلى العراق يخفف العبء الأمني عن «قسد»، لكنه في الوقت ذاته يسحب منها إحدى أوراق التفاوض الأساسية، ويعيد رسم توازنات القوة على الأرض.
ضمن هذا المشهد، تتحول الهدنة من اتفاق لوقف النار إلى اختبار سياسي شامل، يتوقف نجاحه على قدرة الأطراف على ضبط الميدان، ومعالجة الملفات العالقة، ومنع تسييس البعد العرقي، الذي قد يقود إلى تصدع اجتماعي يصعب احتواؤه.
بين التصعيد العسكري، وملف السجون، ونقل معتقلي «داعش»، وتبادل الاتهامات بخرق الهدنة، تقف مناطق شمال وشمال شرقي سوريا أمام مرحلة شديدة الحساسية، يبقى فيها مستقبل الاستقرار مرهونًا بمدى التزام الأطراف بتفاهمات وقف النار، وقدرتها على الانتقال من منطق القوة إلى منطق السياسة، قبل أن تتآكل الهدنة بالكامل.



