أخباركم – اخبارنا
تقرير فلسطين الميداني/ ريما يوسف
في الضفة الغربية، وبين شواهد قبور تُنصب بصمت، وجرّافات لا تتوقف عن قضم الأرض، تتقدّم آلة الاستيطان في الضفة الغربية بخطى باردة، لا تُحدث ضجيجًا كبيرًا لكنها تترك أثرًا عميقًا في الجغرافيا والذاكرة معًا. في بلدة الزاوية غرب سلفيت، لم يكن افتتاح مقبرة جديدة مجرد مشروع خدمي كما تزعم سلطات الاحتلال، بل حلقة إضافية في سلسلة طويلة من مصادرة الأرض وتحويلها إلى مساحة مغلقة على أصحابها الأصليين، في مشهد يختزل كيف تتحوّل حتى المقابر إلى أدوات للسيطرة وفرض الوقائع.
سلطات الاحتلال افتتحت مقبرة على مساحة تُقدَّر بنحو 180 دونمًا، تتسع وفق مخططاتها لنحو 35 ألف قبر، بزعم أن الأرض “فارغة وغير مستغلة”، فيما يؤكد مسؤول الإعلام في بلدية الزاوية عزمي شقير أن هذه الأراضي صودرت عام 2019 في منطقتي “خلة حمد” ووادي “النجاصات” بحجة إقامة منطقة صناعية ومقبرة، رغم تقديم اعتراضات قانونية رُفضت جميعها. ويشير شقير إلى أن الاحتلال صادر نحو ثلثي مساحة البلدة البالغة 24 ألف دونم، ولم يتبقَّ لأهلها سوى قرابة ثمانية آلاف دونم بعد الجدار والمصادرات وشق الطرق الاستيطانية.
ويحذّر من أن المقبرة تهدد بابتلاع مواقع أثرية وتاريخية مهمة، إلى جانب أنها تحمل أبعادًا سياسية ودينية تهدف إلى تمزيق تواصل الأراضي الفلسطينية وترسيخ واقع يصعب تغييره.
مدير هيئة مقاومة الجدار شمال الضفة مراد اشتيوي يرى أن إقامة المقابر في المستوطنات تحمل بُعدًا عقائديًا، إذ يُنظر إليها كمساحات لا يمكن إخلاؤها في أي تسوية مستقبلية، ما يجعلها أداة استعمارية صامتة لابتلاع الأرض. ويؤكد باحثون أن هذه السياسة ليست معزولة، إذ تنتشر أكثر من 33 مقبرة للمستوطنين في الضفة الغربية، في سياق متكامل من وسائل النهب المبتكر وفرض الوقائع على حساب الإنسان والأرض.
ميدانيا، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم، حملة اقتحامات ومداهمات واسعة في عدد من مدن وبلدات الضفة الغربية، تخللتها اعتقالات واعتداءات على المواطنين وتفتيش منازلهم، في سياق متواصل من العمليات العسكرية اليومية.
وأفادت مصادر محلية بأن قوات الاحتلال اقتحمت بلدتي علّار وصيدا شمال طولكرم، شمالي الضفة الغربية، ونفذت حملة اعتقالات واسعة ترافقت مع مداهمة عشرات المنازل وتخريب محتوياتها والاعتداء على سكانها. وفي محافظة رام الله، اعتقلت قوات الاحتلال الشاب إبراهيم خالد أبو عيوش، والفتى أمير البرغوثي، عقب اقتحام بلدة كوبر شمال المدينة.
كما اعتقلت قوات الاحتلال الأسير المحرر صامد عفانة بعد مداهمة منزله في مخيم قلنديا شمال القدس المحتلة، فيما اقتحمت بلدة حلحول شمال الخليل واعتقلت الشابين عصام هاني أبو ريان وخليفة القشقيش، إلى جانب اعتقال شابين آخرين خلال الاقتحام ذاته. وفي بلدة بيت أمر شمال الخليل، اعتقلت قوات الاحتلال الفتى يوسف زهدي عوض بعد مداهمة منزله وتفتيشه.
بالتوازي مع التصعيد في الضفة الغربية، واصل جيش الاحتلال شن هجمات جوية ومدفعية على مناطق متفرقة من قطاع غزة، أسفرت عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين وإصابة عدد من المواطنين، امس الأحد، إضافة إلى تفجير مبانٍ سكنية شرق حي التفاح شرق مدينة غزة.
وأفادت مصادر محلية باستشهاد الشاب عطا غباين إثر استهداف الاحتلال للأهالي في شارع الحجر بحي التفاح، فيما استشهد الشاب محمود قاسم وأصيب آخرون برصاص جيش الاحتلال في الحي ذاته شمال شرقي المدينة. كما أكدت مصادر الدفاع المدني وجود شهيدين وعدد من الجرحى جراء قصف الاحتلال لحي التفاح، مشيرة إلى أن قوات الاحتلال منعت طواقم الإسعاف والدفاع المدني من الوصول إلى المكان لانتشال الضحايا.
وذكرت مصادر طبية أن أحد الشهيدين وصل إلى مستشفى المعمداني في مدينة غزة، بينما نُقل الآخر لاحقًا إلى مجمع الشفاء الطبي. وفي ظل القصف المتواصل، رُصدت موجات نزوح كبيرة من المناطق الشرقية لحي التفاح عبر شارعي السكة والحجر، اللذين يشهدان منذ ساعات إطلاق نار مكثف من الطائرات المسيّرة وقصفًا مدفعيًا متواصلاً، إلى جانب نسف منازل متبقية في المنطقة، لا سيما قرب مقبرة البطش.
كما أصيب أربعة مواطنين إثر استهداف طائرة مسيّرة من نوع “كواد كابتر” برج الإرسال المقام فوق برج شوا وحصري وسط مدينة غزة، في وقت سجل فيه تقدم محدود لآليات الاحتلال بمحاذاة ما يعرف بـ“الخط الأصفر” الفاصل بين مناطق انتشار الجيش والمناطق المسموح للفلسطينيين بالحركة فيها غربًا.
وفي شمال القطاع، استهدفت مدفعية الاحتلال أطراف مخيم جباليا بإطلاق نار كثيف وعشوائي، فيما تعرضت المناطق الشرقية من بلدة بني سهيلا شرق خان يونس لقصف مدفعي متواصل ترافق مع إطلاق نار كثيف. كما أطلقت بحرية الاحتلال النار تجاه قوارب الصيادين قبالة سواحل خان يونس دون تسجيل إصابات.
وفي جنوب القطاع، أكدت مصادر محلية أن قصفًا مكثفًا من آليات الاحتلال استهدف خيام النازحين في منطقة المواصي بمدينة رفح.
وأسفرت الخروقات المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار عن استشهاد 481 فلسطينيًا وإصابة 1313 آخرين، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية، خاصة مع موجات البرد القارس التي أودت بحياة عشرة أشخاص، بينهم رضيع يبلغ من العمر ثلاثة أشهر.
ويأتي هذا التصعيد بالتزامن مع وصول المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى إسرائيل لبحث ملفات غزة والمرحلة الثانية من التفاهمات، إضافة إلى إعادة فتح معبر رفح وتشكيل مجلس لإدارة شؤون القطاع.



