خاص أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
يشكّل ملف اللبنانيين المرتبطين بتنظيم داعش أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في المشهد اللبناني، نظراً لتداخل أبعاده الأمنية والإنسانية والسياسية، وارتباطه المباشر بالانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه البلد. وقد عاد هذا الملف إلى الواجهة بقوة منذ عام 2022، قبل أن يتخذ اليوم أبعاداً جديدة مع التطورات المتعلقة بنقل معتقلي التنظيم من سجون «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) إلى العراق، والتحركات المتجددة لأهالي المحتجزين اللبنانيين.
انفجار القضية عام 2022: «لبنانيي داعش» بين ليلة وضحاها
في عام 2022، تصدّرت قضية «لبنانيي داعش» المشهد العام بشكل مفاجئ، في بلد منهك اقتصادياً واجتماعياً، أبوابه مشرّعة على كل السيناريوهات. فقد أوجدت الظروف المعيشية القاسية بيئة وُصفت بالخصبة لتغلغل مشاريع متطرفة، تتخفى خلف شعارات خلاص الشباب من الجحيم، مستغلة الفقر والبطالة وغياب الأفق.
تجسّدت مقولة «لا دخان من دون نار» واقعاً، بعد الإعلان عن مقتل لبنانيين في العراق، إثر ضربة جوية استهدفت خلية تابعة لتنظيم داعش في محافظة ديالى. وجاء ذلك عقب أخبار متداولة عن فرار شبّان من مناطق فقيرة في مدينة طرابلس شمالي لبنان والتحاقهم بالتنظيم، في ظل غموض واسع، وتبادل اتهامات بين «الفبركة» و«التوريط»، وسط صمت رسمي أثار غضب الأهالي وأربك الرأي العام.
دولة غائبة وتساؤلات بلا أجوبة
طرحت القضية حينها تساؤلات كبرى لم تلقَ إجابات واضحة. فالأهالي، الذين أبلغوا الأجهزة الأمنية عن اختفاء أبنائهم من منازلهم دون معرفة الأسباب، وجدوا أنفسهم أمام روايات أمنية غير مكتملة، ودولة وُصفت بأنها «غائبة عن السمع»، لم تبادر إلى توضيح الصورة أو كشف ما جرى فعلياً. هذا الفراغ فتح الباب أمام تحليلات وتكهنات، وزاد الشكوك حول حقيقة ما حصل.
في طرابلس، المدينة المعروفة تاريخياً بخطها السياسي المعارض لإيران وحلفائها في لبنان، اعتبر عدد من الأهالي أن ما جرى قد يندرج في إطار «تلفيق ملفات أمنية» بحق أبنائهم، في سياق استهداف سياسي وأمني أوسع.
معلومات متضاربة وشبكات تهريب
تحدثت معلومات متداولة في تلك الفترة عن نحو 70 شخصاً جرى تهريبهم إلى سوريا ثم العراق، إما عبر البر، أو جواً إلى تركيا ثم سوريا فالعراق. ووفق هذه الروايات، قادت شبكات تهريب العملية، وتواصلت مع الشبان عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مستخدمة أساليب ضغط متعددة، من بينها التهديد بوجود ملفات إرهابية بحقهم لدى الأجهزة الأمنية، لدفعهم إلى المغادرة.
في المقابل، رجّحت روايات أخرى أن يكون الإغراء المالي، ولا سيما الدولار، عاملاً أساسياً في جذب شبان أنهكتهم الضائقة الاقتصادية، ودفعوا للقتال في ظل انسداد كامل في فرص العمل والحياة الكريمة.
أولاً: السجون والمخيمات – تمييز ضروري
حالياً، تدير «قسد» عدداً من السجون المخصصة لاحتجاز مقاتلي تنظيم داعش الذين أُلقي القبض عليهم خلال العمليات العسكرية. هذه السجون تضم آلاف المعتقلين من جنسيات مختلفة، ويجري نقل أعداد منهم، وخصوصاً من العراقيين، إلى العراق بالتنسيق مع الولايات المتحدة والحكومة العراقية.في المقابل، توجد مخيمات احتجاز، أبرزها مخيم الهول ومخيم الروج، وهي ليست سجوناً، بل تضم نساءً وأطفالاً من عائلات عناصر التنظيم، وتخضع لإجراءات أمنية مشددة في ظروف إنسانية صعبة.
ثانياً: ما هو مثبت عن اللبنانيين
بحسب ما هو منشور في الصحف ووسائل الإعلام الموثوقة، لا توجد معلومات مؤكدة عن وجود مقاتلين لبنانيين من تنظيم داعش معتقلين حالياً في سجون «قسد» ممن شملتهم أو سيشملهم عمليات النقل إلى العراق. التقارير التي تناولت هذه العمليات ركزت على معتقلين عراقيين وأجانب، من دون الإشارة إلى لبنانيين.
في المقابل، تؤكد التقارير وجود نساء وأطفال لبنانيين في مخيمي الهول والروج. هؤلاء يُصنّفون كمحتجزين لأسباب أمنية–إنسانية، وليسوا معتقلين على خلفية القتال. وقد سبق للدولة اللبنانية أن أعادت عدداً محدوداً منهم، فيما لا يزال ملف البقية قيد المتابعة.
ثالثاً: مصير المقاتلين اللبنانيين السابقين
تشير المعطيات الصحفية إلى أن اللبنانيين الذين انضموا إلى تنظيم داعش خلال سنوات تمدده انتهت ملفاتهم بالقتل في المعارك، أو الاعتقال السابق والمحاكمة في دول أخرى، أو الاختفاء من دون معلومات مؤكدة. ولا توجد أدلة على أن تنظيم داعش يحتجز لبنانيين حالياً، إذ لم يعد يمتلك بنية سجون فاعلة منذ انهياره الميداني.
رابعاً: التحركات الأخيرة للأهالي
في هذا السياق، قام وفد من أهالي النساء اللبنانيات المحتجزات مع أطفالهن في مخيمي الهول والروج بزيارة مفتي الجمهورية اللبنانية، حيث عرضوا أوضاع أبنائهم وبناتهم داخل المخيمات، وسلطوا الضوء على الظروف الإنسانية القاسية التي يعيشونها منذ سنوات، من نقص في الرعاية الصحية والغذاء والتعليم.
وطالب الأهالي باستخدام الثقل المعنوي للمرجعية الدينية للضغط على الدولة اللبنانية، من أجل تفعيل الاتصالات الرسمية ووضع خطة واضحة لاستعادة اللبنانيات وأطفالهن، معتبرين أن استمرار تركهم في المخيمات يشكل خطراً إنسانياً وأمنياً في آن واحد، وأن القضية تجاوزت الإطار الأمني الضيق لتصبح قضية وطنية وإنسانية بامتياز.
خامساً: موقع اللبنانيين من عمليات النقل إلى العراق
عمليات نقل معتقلي داعش الجارية حالياً من سجون «قسد» إلى العراق لا تشمل، وفق المعطيات المتاحة، لبنانيين. هذه العمليات تقتصر على مقاتلين من جنسيات محددة، في مقدمتها العراقية، بهدف محاكمتهم داخل العراق. أما اللبنانيون الموجودون في المخيمات، فهم خارج هذا المسار، ويخضع ملفهم لقرارات الدولة اللبنانية وإجراءاتها القضائية والأمنية.
خلاصات
- لا توجد معلومات موثقة عن مقاتلين لبنانيين من داعش في سجون «قسد» تم نقلهم أو يجري التحضير لنقلهم إلى العراق.
- الوجود اللبناني المثبت يقتصر على نساء وأطفال في مخيمات احتجاز.
- تنظيم داعش لا يحتجز لبنانيين حالياً ولا يمتلك منظومة سجون فاعلة.
- قضية 2022 كشفت هشاشة الواقع الاجتماعي والاقتصادي، وسهولة استغلاله في مشاريع متطرفة أو في تلفيق روايات أمنية متضاربة.
- زيارة وفد الأهالي إلى مفتي الجمهورية تعكس تصاعد القلق والضغط الشعبي لإعادة تحريك الملف.
يبقى هذا الملف مفتوحاً، لا على البعد الأمني وحده، بل على سؤال أعمق يتصل بمسؤولية الدولة اللبنانية في حماية شبابها، ومصارحة الرأي العام بالحقيقة كاملة، في بلد ما زالت أزماته تولّد ألغاماً مؤجلة الانفجار.



