“أخباركم – أخبارنا” / ناديا شريم
مع انشغال البلد بكارثة انهيار المبنى التي وقعت في منطقة القبة طرابلس، وما تبعها من احداث اظهرت ان المدينة بحجرها وبشرها متروكة لقدرها رغم كل التصريحات الرسمية، يبدو ان عاصمة الشمال تعاني في اكثر من مجال، وأن أهلها متروكون من دون معالجة المشاكل الأساسية فيها بسبب الحسابات السياسية المتشعبة، على الرغم من وجود أكثر من مرفق قادر على احيائها ومساعدة اهاليها على كل المستويات.
فبالإضافة الى المعاناة الاقتصادية والمعيشية التي يعيشها الطرابلسيون منذ فترة طويلة يعيش هؤلاء معاناة ثقافية يتحمل مسؤوليتها أكثر من طرف، فما حقيقة هذه المعاناة؟
يقول الناشط الطرابلسي توفيق علوش لموقعنا: “إن المشهد الثقافي في طرابلس مقسوم إلى قسمين، قسم يقع على يمين البولفار وقسم على شماله، فعلى اليمين لا يوجد أي نشاطات ثقافية من اي نوع عدا سينما أمبير التي تحولت إلى مسرح وطني وتقام فيها نشاطات تبقى ضمن حدود مرسومة لعدم خدش مشاعر أي طرف. اما من الجهة الثانية، فقد نشطت أخيرا وتقدم فيها حفلات، مثلا حفلة لتكريم ذكرى زياد الرحباني. لكن ما زالت الأمور خجولة، رغم الجهود الكبيرة التي تبذل على هذا الصعيد، فيما الناس تتجاوب لأن هناك حماية من الجيش والقوى الأمنية، مما يجعل الناس تشعر بالأمان بعد تشكيل الوزارة الجديدة على عكس الماضي، حيث كان يصار إلى مهاجمة اي طرف يقوم بنشاط وحتى التهديد بالقتل وبالاعلام السوداء والخضراء.
اما الرابطة الثقافية التي كانت تحتضن معظم ثقافات المدينة فلم يعد الوصول إليها سهلاً، خصوصاً وقد تم التآمر عليها من قبل الكثير من الاطراف للتخفيف من دورها واعطائه إلى مؤسسات أخرى استحدثت في المدينة. إلى ذلك ليس لدى طرابلس معرض للكتاب بالشكل الحقيقي ولا نشاطات موسيقية بكل معنى الكلمة ولا مسارح جدية، وهو ما كان موجوداً في طرابلس في فترة السبعينات حيث كان لدى المدينة فرقة دبكة تمثلها بكل تنوعاتها. اما المدارس الرسمية فلا يوجد فيها نشاطات ثقافية، والمدارس الخاصة لديها بعض النشاطات الخجولة. لذلك ان وضع طرابلس الثقافي صعب. فدور السينما اختفت ولم تعد موجودة، وتحولت بعض السينمات إلى صالات صغيرة تعرض أكثر من فيلم في مكان واحد، وقد اختفى ذلك في الفترة الأخيرة مع الانترنت والنتفليكس…
اتذكر انه كان في الماضي حوالي 4 دور سينما في طرابلس، وكنا نقصدها لحضور الأفلام وللمناقشة وكان هناك جلسات شعر وأدب في المدينة وقراءات ثقافية، لكنها اختفت أيضا بسبب ارتفاع الكلفة وعدم وجود مكان يجمع الكل. إلى ذلك، فإن لا وجود لمراكز اجتماعية جدية تجمع الاشخاص ولا وجود لأي مكان يجمعهم، تدعي بعض الجمعيات بأن لديها مراكز اجتماعية لكنها كلها موجودة في مناطق معينة ولأهداف معينة، فيما المدينة تحتاج إلى مراكز اجتماعية تجمع كل اهلها لممارسة الرياضة ولعب الموسيقى والرقص والدبكة بأسعار زهيدة، كل هذا ساهم في ابتعاد اهل المدينة عن بعضهم البعض وخفف من قدرتهم على ممارسة نشاطات ثقافية. لكن يبقى ان الوضع الأمني هو الأساس وقد تأتي الأمور الأخرى في مراحل لاحقة، لكني اخاف من ان تفقد الناس رغبتها واندفاعها للنشاطات الثقافية مع الوقت.
دور البلديات ضعيف جداً
ويضيف علوش: ان تصحيح هذا الأمر هو مهمة الدولة خصوصاً ان دور البلديات ضعيف جداً لجهة عدم وجود إمكانيات وعدم وجود الخبرة المطلوبة للعمل البلدي ان في الميناء أو في طرابلس، قد تكون هناك نية طيبة لكن القدرات ضعيفة. اما الأهالي فيقتصر دورهم على حماية أولادهم لذلك فإنهم يحذرونهم من الذهاب إلى هذه الأماكن. قد يكون دور الأهالي المشاركة في الانتخابات النيابيّة والبلدية للمساهمة بالتغيير لإيصال أشخاص مناسبين لأن السياسيين لا يقتربون من هذه النشاطات كونها تؤثر سلباً على وضعهم الانتخابي، خصوصاً وأن أفكارهم متجهة إلى أماكن أخرى ضد الثقافة .
بلدية طرابلس
اما بالنسبة لبلدية طرابلس، فيقول علوش “ان لا إمكانيات لديها لهذه النشاطات ولا خبرة لأعضائها بالعمل البلدي. لقد تسلم بعض اللجان أصحاب اختصاص لكن ليس لديهم اي خبرة عن عمل البلدية في هذه الاتجاهات. هذا إضافة إلى الوضع الأمني والسياسي الذي يزيد الأمور سوءاً. اتذكر انه في فترة التسعينات عندما كان العميد سامي منقارة رئيساً للبلدية، افتحت حديقة البلدية للجمعيات الأهلية لتقوم بنشاطات رياضية وثقافية للأطفال، وقد كان هناك تجاوب كبير. اما معرض طرابلس فلديه شخص يعمل ضمن الامكانيات الموجودة وقد ينجح، لكن دور البلدية يبقى محدوداً، وهي تحتاج لأن تضم اشخاصاً من ذوي الخبرة الى لجانها، وهؤلاء الأشخاص يستطيعون أن يؤمنوا تمويلاً لأن لديهم فكراً ثقافياً تطويرياً يبدأ بمبادرات معينة وهناك اشخاص من الممكن أن يقوموا بإنجازات.
ويشدد علوش، انه على مجلس الوزراء أن يغير التشريعات، وأن يلعب دوره في هذا الموضوع خصوصاً لناحية أن الاماكن غير المشغولة لا تدفع ضريبة كما يحصل في التل حيث توجد 11 دار سينما مقفلة ولا نعرف ماذا يوجد في داخلها. فلو كان القانون يجبر المالك على دفع الضريبة لكان تحمس اصحابها لتأجيرها أو استثمارها أو القيام بأي نشاطات فيها. كما ان على وزارة الثقافة أن تعمل مع الوزارات الأخرى كوزارة التربية مثلاً، للقيام بنشاطات ومسابقات تربوية كما يحصل في بعض الدول. فهناك اشخاص تسلموا وزارة الثقافة وعملوا بشكل معقول، وآخرين لم ينجحوا بفعل الضغوطات السياسية. الآن لدى وزير الثقافة اوضاع تفتح له المجال بأن يعمل، لكننا بحاجة إلى مشاريع ثقافية وطنية للجميع ليشارك كل الأطراف فيها. وعلى تلفزيون لبنان أن ينشط في هذا الاتجاه.
حيز للثقافة
ويتابع: يجب ان يكون للثقافة حيز قوي في التشريعات كونها ثقافة البلد وهي التي تعطي صورته الحقيقية وهي تساهم وإلى حد كبير في تغيير الصورة النمطية الموجودة عن لبنان. علينا أن نبدأ بالتغيير في هذا المجال من وزارة التربية إلى وزارة الشباب والرياضة، إضافة الى الشؤون الاجتماعية حيث من المطلوب إقامة مخيمات لجمع الشباب، وتحديد القنوات التلفزيونية التي يجب أن تعرض برامج ثقافية. كل هذه المواضيع يجب أن تنظم عن طريق التشريع، إضافة إلى انشاء مراكز اجتماعية قادرة على استيعاب المواطنين بأسعار زهيدة لممارسة نشاطاتهم، إضافة إلى ضرورة إحياء مسابقات الدبكة والغناء والشعر لأنها تفتح مجالات كثيرة.
ويختم علوش: منذ فترة انطلقت حملة لإحياء سينما كولورادو، لذلك يجب أن يتحرك الأهالي، وان يعبروا عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن دعمها وان لا يقبلوا بالهزيمة، فنحن نقبل بالهزيمة مقابل كل ما يحصل في هذه المدينة، كما قبلنا بإنهاء دور السينما واختفاء دور الرابطة الثقافية. وكما قبلنا بأن يهاجم بعض الأشخاص السهرات والحفلات خصوصاً الكوميدية منها، وهربنا ولم نعبر عن رأينا. قد يكون السبب ان الأهالي عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم بشكل جماعي، وقد يكون هناك دور للمجموعات السياسية لتلعب دوراً، لكن المسألة صعبة جداً ولا اعرف الأسباب.



