أخباركم – أخبارنا- إبراهيم بيرم
تجد جهات معنية بمتابعة مسار الأوضاع الميدانية الملتهبة في الجنوب، أن لائحة أسماء الأشخاص الذين استهدفتهم المسيّرات الإسرائيلية، التي لا تغادر سماء المنطقة، خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، تكاد تخلو من أسماء الكوادر العسكرية في حزب الله. إذ تشير أسماء الذين سقطوا خلال تلك الفترة إلى أنهم لا يتولّون مسؤوليات ميدانية عسكرية مباشرة.
وبحسب الرواية نفسها، فإن العدد الأكبر من ضحايا الاستهداف والاغتيال هم من فئة تُعرف بـ“رابطي القرى والبلدات”، وهي رتبة تنظيمية استحدثها الحزب منذ أعوام، كبديل عن رتبة “المسؤول التنظيمي” المعمول بها في الأحزاب والقوى السياسية الأخرى. وتتمثّل مهمتهم في أداء دور حلقة الوصل الوسطى بين قيادات المناطق والقاعدة الحزبية في القرى والبلدات.
وعليه، فإن الثابت أن هؤلاء ليسوا ناشطين عاديين، بل سبق لهم أن خضعوا لدورات تثقيفية، ومرّوا بما يُسمّى “معموديات نار سياسية”، كونهم يمثلون واجهة الحزب داخليًا وخارجيًا. وتتمحور مهامهم حول ضبط الأوضاع التنظيمية، وإدارة الخدمات والمشاريع الرعائية، وسائر الأنشطة اليومية.
ووفق إحصاءات غير نهائية، فإن إسرائيل نجحت خلال الأيام العشرة الماضية في تصفية نحو خمسة من هؤلاء، آخرهم رابط بلدة يانوح (قضاء صور) أحمد سلامة، ورابط بلدة أرزون (قضاء صور) محمد الحسيني، وقبلهما رابطا بنت جبيل والجميجمة.
وتُعدّ خسارة الحزب لهؤلاء بمثابة حدث استثنائي، في مرحلة يسعى فيها إلى استعادة ما فقده مؤخرًا على مستوى الحضور القاعدي.
لذا، فإن تركيز إسرائيل على هؤلاء، وملاحقتهم ثم تصفيتهم جسديًا، يعني في حسابات الحزب أمرين أساسيين:
الأول: أن بنك الأهداف العسكرية لدى الإسرائيليين قد أوشك على النفاد من المعلومات التي كانت بحوزتهم منذ ما قبل “حرب الإسناد”، والتي شكّلت رصيدًا استخباريًا استُفيد منه خلال أشهر تلك الحرب. وهذا يعني، في الوقت نفسه، أن الكوادر العسكرية البديلة التي تولّت المسؤوليات حديثًا باتت محجوبة عن العين الإسرائيلية الراصدة.
ومن المعلوم أن إسرائيل بنت “مجدها العسكري” أخيرًا على قدرتها على استهداف هرم القيادة العسكرية للحزب وتصفيته خلال فترة وجيزة، لتتباهى لاحقًا بأنها قضت على 80 في المئة من قياداته العسكرية، من الضاحية الجنوبية وصولًا إلى الكوادر المحلية. ويُذكر في هذا السياق أن أبو علي الطبطبائي، الذي اغتالته إسرائيل في الصيف الماضي في أحد أحياء الضاحية الجنوبية، كان آخر قيادي بارز خسره الحزب وبكى عليه، بعدما قُدّم على أنه رئيس أركان عسكر الحزب وأحد أربعة قيادات تاريخية متبقية.
الثاني: أن تركيز إسرائيل على بنك أهداف جديد يطال الكوادر المدنية، يعني بالنسبة للحزب أن تل أبيب ماضية قدمًا في مرحلة تكثيف الضغوط اليومية على بيئته الحاضنة، ويعني أيضًا استمرارها في مهمة “تكسير أذرع الحزب”، وجعله عاجزًا عن الحركة والمبادرة داخل بيئته، التي شكّلت أحد أبرز أسباب قوته وامتداده وتلاحمه الشعبي.
ويعزّز هذا الاستنتاج أن الاستهدافات الأخيرة طالت أئمة مساجد، وإعلاميين، وتربويين، ما يعني ضمنًا أن إسرائيل انتقلت من مرحلة تدمير القوة العسكرية الضاربة للحزب إلى مرحلة تدمير البيئة التي يمكن أن ترفده مستقبلًا بمقاتلين جدد.
ثالثًا: تكثيف إسرائيل ضرباتها على رأس الحزب وبيئته، بهدف عدم منحهما أي فرصة لالتقاط الأنفاس، وإبقائهما في حالة عدم اتزان وعجز عن الفعل والمبادرة.
ويقدّم أحد الكوادر الإعلامية في الحزب تفسيرًا لهذا الأداء العسكري الإسرائيلي المستجد، يقوم على النقاط الآتية:
- تعتبر إسرائيل نفسها في حالة حرب دائمة منذ عام 2023، ولن تمنح خصومها أي هدنة، ما يدفعها إلى البحث المستمر عن أهداف جديدة.
- ترى إسرائيل أنها قادرة على تطبيق سياسة “جزّ العشب”، وهو النهج الذي بدأت باعتماده في لبنان، ولا سيما في الجنوب، بعدما سبق أن طبقته في الضفة الغربية المحتلة، حيث كانت تدفع بوحدات من جيشها إلى اقتحام مخيمات وبلدات مكتظة على فترات زمنية متقاربة، لتصفية واعتقال مجموعات مقاتلة درّبتها الفصائل ووزّعتها على المحاور، قبل أن تتحول إلى خطر يصعب اجتثاثه لاحقًا.
وبحسب تقديرات خبراء استراتيجيين، فإن إسرائيل بدأت فعليًا تطبيق هذه الاستراتيجية في الجنوب اللبناني، بما يؤشر إلى أن الحرب ضد الحزب مستمرة، وأن تكتيكاتها مفتوحة، ولن تقف عند حدود معيّنة.



