أخباركم – اخبارنا
تقرير فلسطين الميداني
في غزة، لا تسكن الحرب في الذاكرة وحدها. تسكن في الأجساد أيضًا. في الصداع الذي لا يهدأ، في الأرق الطويل، في تعبٍ بلا سبب واضح، وفي خوفٍ ينهض مع كل صوت. هنا، صار الجسد أرشيفًا حيًّا للوجع، يحمل ما عجز القلب عن احتماله.
نسمة نصر (23 عامًا)، خريجة الإعلام الرقمي، تقول إن الحرب تركت آثارها واضحة في جسدها: توتر دائم، صداع متكرر، أحلام مزعجة، صكّ الأسنان، تساقط شعر، وضعف ذاكرة. “جسمي متعب ومنهك دون أي مجهود”، وكأن القدرة على التعافي استُنزفت. ورغم تخرجها، تشعر بالعجز عن العمل أو التخطيط للمستقبل. “الحرب انتهت في الخارج، لكنها ما تزال مستمرة في داخلي”.
تجربة مشابهة يرويها الصحفي عماد دلول (29 عامًا)، الذي عانى النزوح القسري، وقصف منزل العائلة، وأصيب أثناء تغطيته قصف مستشفى المعمداني. يقول: “بعد عامين من الحرب لم يعد الجسد كما كان”، مشيرًا إلى تعب دائم، نوم متقطع، قلق مستمر، وصداع وضيق في التنفس، إلى جانب إرهاق مضاعف بسبب الأعمال الشاقة التي فرضتها ظروف النزوح.
الأخصائية النفسية آية المقيد توضّح أن معظم الغزيين يعيشون في حالة طوارئ دائمة، وأن المشاعر غير المعالجة تُخزَّن في الجسد وتظهر على شكل أعراض جسدية، كالإرهاق المزمن واضطرابات النوم وفقدان الشهية. فيما يؤكد طبيب الطوارئ د. أحمد عبد الواحد أن الضغط النفسي المستمر قد يتحول إلى أمراض مزمنة مثل ارتفاع الضغط والسكري والصداع.
لا يحمل الغزيون ذاكرتهم فقط، بل يحملونها في أجسادهم. أجساد تحاول الصمود، بانتظار زمنٍ يمنحها فرصة للراحة، ويعيد للإنسان حقه البسيط في الشعور بالأمان.
ميدانيا، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي، لليوم الثاني على التوالي، عمليته العدوانية شمال القدس المحتلة تحت مسمى “درع العاصمة”، مستهدفًا مناطق كفر عقب ومحيط مخيم قلنديا وبلدة حزما، بذريعة هدم البناء غير المرخص و”تعزيز الشعور بالأمن”، في خطوة تترافق مع اقتحامات واسعة وهدم منشآت وفرض أطواق أمنية مشددة.
وأخطرت قوات الاحتلال، صباح امس الثلاثاء، عشرة محال تجارية في شارع المطار ببلدة كفر عقب بقرارات هدم خلال أسبوع، بالتزامن مع إغلاق الشارع ومنع حركة المواطنين والمركبات، ومطالبة أصحاب المحال بإخلائها تمهيدًا لتنفيذ الهدم. وقالت محافظة القدس إن قوات الاحتلال دفعت بتعزيزات عسكرية إلى البلدة ومحيط مخيم قلنديا، واقتحمت المنطقة وطلبت من الطواقم الصحفية مغادرتها.
وفي بلدة حزما شمال شرق القدس، فرضت قوات الاحتلال حظرًا على خروج المواطنين حتى إشعار آخر، ووزعت منشورات تعلن فرض طوق أمني، بالتزامن مع اقتحام عدد من المنازل، فيما دخلت قوة عسكرية إلى البلدة برفقة جرافة.
ويأتي هذا التصعيد ضمن عدوان عسكري واسع تشنه قوات الاحتلال شمال القدس، شمل هدم منشآت فلسطينية قرب جدار الفصل العنصري، في إطار سعيها لتعزيز السيطرة على المنطقة.
وقال مدير مكتب محافظة القدس لمنطقة قلنديا وكفر عقب، زكريا فيالة، إن قوات الاحتلال هدمت يوم أمس جميع المنشآت في شارع المطار والقريبة من معهد قلنديا التابع لوكالة “أونروا”، كما سلمت إخطارات جديدة للمنازل المحيطة وأمهلت أصحابها أسبوعين للهدم الذاتي. وأضاف أن الاحتلال فرض طوقًا أمنيًا لمصادرة المعهد، حيث اقتحم أكثر من 200 جندي المنطقة برفقة آليات عسكرية، وصادروا عددًا من المركبات والدراجات الكهربائية.
وكانت قوات الاحتلال اقتحمت أمس عددًا من العمارات السكنية وأخلت بعضها قسرًا، بالتزامن مع تمركز مكثف للجنود والقناصة على أسطح المباني والشرفات، وإطلاق قنابل الغاز والصوت والرصاص الحي والمطاطي لتفريق المواطنين.
بالتوازي، تواصلت أعمال المقاومة في الضفة الغربية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، حيث رُصدت 16 عملية متنوعة بين مواجهات وإلقاء حجارة وتصدي للمستوطنين في عدة مناطق، وأسفرت عن إصابة مستوطن واحد.
وفي القدس، اندلعت مواجهات وإلقاء حجارة في كفر عقب، بينما شهدت محافظة جنين مواجهات في الزبابدة والسيلة الحارثية. وفي نابلس، سُجلت مواجهات وتصدي للمستوطنين في راس العين، إضافة إلى مواجهات في تل وبيت فوريك وقصرى. كما شهدت بيت ليد وكفر قدوم في طولكرم مواجهات وتصديًا للمستوطنين، فيما اندلعت مواجهات في مدينة الخليل والسموع، وشهد مخيم العروب مواجهات وإلقاء حجارة، وأسفرت إحدى المواجهات شرق الخليل عن إصابة مستوطن بالحجارة.
وفي قطاع غزة، أصدرت وزارة الصحة التقرير الإحصائي اليومي، معلنة وصول شهيدين وتسع إصابات إلى المستشفيات خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. كما أعلنت وفاة الطفل هيثم أبو قص (12 يومًا) في مستشفى الرنتيسي نتيجة البرد الشديد، ما يرفع عدد وفيات الأطفال بسبب البرد منذ بداية الشتاء إلى 11 حالة.
وأفادت الوزارة بأن حصيلة الشهداء منذ إعلان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر بلغت 488 شهيدًا، فيما بلغ عدد الإصابات 1,350، إضافة إلى 714 حالة انتشال. وبذلك ترتفع حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 71,662 شهيدًا و171,428 إصابة، مع بقاء عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات بسبب تعذر وصول طواقم الإسعاف والدفاع المدني إليهم.



