أخباركم – أخبارنا
شهدت ولاية نهر النيل شمال السودان، خلال الأيام القليلة الماضية، موجة ذعر غير مسبوقة بعد انتشار شائعات حول اختفاء فتيات في المنطقة، لا سيما في مدينة عطبرة الواقعة على بعد نحو 310 كيلومترات شمال الخرطوم. هذه الشائعات دفعت مئات الأسر إلى التجمهر أمام مراكز الشرطة بحثًا عن الحقيقة، وسط تداول واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
تصاعدت حدة التوتر مع اختفاء طالبتين، الأمر الذي أثار شائعات عن تورط سحر أسود، ووسائل مالية، وقصص غرامية لاستدراج الفتيات، مما ضاعف من قلق الأسر وأجواء الذعر في المدينة.
وفي مواجهة هذه الأوضاع، كثفت شرطة ولاية نهر النيل جهود البحث والتحري، وتمكنت بعد مجهود كبير من فك لغز الاختفاء، لتكشف أن جميع حالات الفتيات تمت بمحض إرادتهن، دون أي اختطاف أو إكراه. وأكدت الشرطة في بيان رسمي مساء الثلاثاء أن جميع البلاغات كانت نابعة من القلق المشروع للأسر، وأن مراحل التحريات تمت بإشراف النيابة المختصة، مشيرة إلى أن التسرع في نشر الأخبار ساهم في خلق آثار اجتماعية سالبة.
وأكد العميد المتقاعد عمر محمد عثمان، الخبير الأمني والجنائي، أن نسبة كبيرة من بلاغات الاختفاء اليومي تتعلق بحالات ابتعاد طوعي لأسباب نفسية أو اجتماعية أو دراسية، وعادة ما تنتهي بعودة الشخص وإغلاق البلاغ دون أثر جنائي. وأضاف أن انتظار 24 ساعة قبل التحرك هو مجرد عرف عملي وليس قاعدة قانونية، وأن التقدير المهني هو الفيصل في سرعة التدخل.
في السياق نفسه، أشار الفريق عابدين الطاهر، مدير المباحث الجنائية الأسبق، إلى أن موجات شبيهة كانت تحدث في السودان قبيل مواسم الامتحانات، حيث كانت كثير من البلاغات تتحول لاحقًا إلى محاولات هروب من ضغوط دراسية أو أسرية. وحذر من أن الأثر النفسي والاجتماعي للشائعات قد يكون أخطر من البلاغ ذاته، خصوصًا في مجتمع يعيش تحت ضغوط اقتصادية وأمنية متلاحقة.
كما أكدت الشرطة دور وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم المخاوف، إذ ساهمت الأخبار المتداولة من مصادر مجهولة في زيادة الذعر، رغم أن معظم البلاغات كانت بدافع القلق المشروع. ولفت الخبراء إلى أن الشرطة تتحمل مسؤولية حماية الأسر وصون كرامتها، وأن صمتها أحيانًا لا يعني غياب الحقيقة، بل حرصًا على الاستقرار الاجتماعي.
هذا الملف يقدم درسًا واضحًا حول هشاشة الثقة المجتمعية، حيث قد تكفي إشاعة واحدة لإشعال الذعر في أوقات الاضطراب الوطني، حتى في غياب أي جريمة فعلي.



