أخباركم – أخبارنا | مسعود محمد
في وقتٍ ترسو فيه مدمّرات الأسطول الأميركي في مياه البحر المتوسط، وتستعد القواعد العسكرية في المنطقة لسيناريوهات مواجهة كبرى، يطلّ الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم بخطاب يربط مصير «بلاد الأرز» ببوصلة المصالح الإقليمية تحت شعار «وحدة الساحات». خطابٌ لم يمرّ مرور الكرام، بل فجّر موجة اعتراضات سياسية وشعبية واسعة، كشفت عن تصدّع عميق في الجبهة الداخلية اللبنانية.
جنبلاط يكسر المحظور: تصريحات «غير مسؤولة»
الموقف الأبرز والأكثر حدّة جاء من الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، الذي وجّه انتقادًا مباشرًا وجارحًا لخطاب قاسم. ففي تصريح لصحيفة L’Orient-Le Jour، وصف جنبلاط هذه التصريحات بأنها «غير مسؤولة»، محذّرًا من أنها قد تستفزّ العدو الإسرائيلي في ظل ظروف إقليمية شديدة التوتر.
وذهب جنبلاط أبعد من ذلك حين اعتبر أن هذا الخطاب «يهدّد التقدّم الجيّد الذي تحقّقه الحكومة على صعيد خطط الجيش في جنوب لبنان»، متسائلًا بقلق:
«لا أعرف لماذا يريد قاسم جرّ بعض أبناء الطائفة الشيعية ولبنان إلى الحرب».
وهو موقف يعكس قلقًا وجوديًا لدى المكوّن الدرزي من انزلاق البلاد نحو حافة الهاوية خدمةً لأجندات خارجية.
جبران باسيل: طلاق سياسي مع «وحدة الساحات»
لم يكن موقف النائب جبران باسيل، رئيس «التيار الوطني الحر»، أقل وضوحًا، إذ عكس تحوّلًا جذريًا في علاقة التيار مع حزب الله. فقد رسم باسيل، عبر مواقفه وتصريحاته الأخيرة، خطًا أحمر أمام الانجرار العسكري، مؤكدًا:
«لسنا مع وحدة الساحات إذا كان الثمن تدمير لبنان. الدفاع عن حقوقنا لا يعني أن نصبح جزءًا من مشروع إقليمي لا يراعي المصلحة الوطنية اللبنانية».
هذا الموقف يُمثّل عمليًا طلاقًا سياسيًا مع نظرية «تكامل الجبهات»، ويعكس حالة تململ واسعة في الشارع المسيحي، الرافض لأن يكون لبنان «صندوق بريد» للنيران الإقليمية.
المعارضة: رفض «الاستيلاء الموصوف» على قرار الدولة
وانضمّ «حزب الكتائب اللبنانية» إلى جبهة الرفض، إذ اعتبر مكتبه السياسي في بيان رسمي أن تصريحات نعيم قاسم تمثّل «استيلاءً موصوفًا على قرار الدولة»، محذرًا من أن جرّ لبنان إلى صراع إقليمي يشكّل مقامرة بكيان الدولة وما تبقّى من استقرارها، ومطالبًا بالعودة الفورية إلى كنف الدولة والجيش اللبناني.
تذمّر شعبي عابر للطوائف
خلف هذه المواقف السياسية، يقبع شارع لبناني منهك. فالمسيحيون والسنة والدروز، ومعهم شريحة وازنة من الطائفة الشيعية، يرفضون دفع ثمن مغامرة عسكرية جديدة. يتساءل اللبنانيون اليوم: كيف لبلد يعجز عن تأمين الدواء والرغيف والكهرباء أن يتحمّل أعباء مواجهة الأساطيل الأميركية أو حرب إقليمية شاملة؟
«وهم القوة» الذي يُسوَّق له يصطدم يوميًا بواقع الانهيار المالي والخدماتي، وبخوف الأهالي من تحويل أبنائهم إلى وقود في صراع دولي لا ناقة للبنان فيه ولا جمل.
الحقيقة المُرّة
الحشد العسكري الأميركي القائم اليوم ليس مجرّد استعراض عضلات، بل واقع ميداني يضع لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما العودة إلى كنف الدولة والجيش والمؤسسات الشرعية، كما طالب جنبلاط،
أو الانقياد خلف تصريحات «غير مسؤولة» قد تحرق الأخضر واليابس.
الحقيقة التي يتجاهلها حزب الله أن «القوة» الحقيقية لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بمدى الإجماع الوطني، وهو إجماع يفتقده الحزب اليوم في ظل تذمّر عابر للطوائف والمناطق، ينذر بعزلة داخلية غير مسبوقة.



