خاص: أخباركم – أخبارنا
ينشر موقعنا كلمة النائب جورج عدوان التي ألقاها أمس خلال جلسة مناقشة مشروع قانون موازنة 2026، كاملة لأهميتها ولما تضمنته من معطيات.
⸻
دولة الرئيس،
حضرة رئيس الحكومة،
السادة الوزراء،
الزملاء النواب،
لم أكن أودّ التطرّق إلى موضوع الانتخابات، لأن جلستنا اليوم مخصّصة حصراً لبحث الموازنة. نحن اليوم نناقش الموازنة فقط، لكن في كل دول العالم، عندما يكون هناك خلاف حول الموضوع، يُعرض الأمر على الهيئة العامة في المجلس ويُطرح للنقاش والتصويت. غير أنّ هذا الموضوع غير مطروح الآن، لأن جلسة اليوم مخصّصة لدرس الموازنة حصراً.
بطبيعة الحال، فإن الموازنة ليست سوى انعكاس للأوضاع المالية والنقدية والأمنية، وللحالة الاقتصادية العامة للبلاد. فالموازنة هي مرآة لكل هذه الأوضاع. لذلك، أودّ اليوم أن أتحدّث عن موضوعين أساسيين.
الأول يتعلّق بالوضع العام، وبالاستقرار، وبالدولة، لأنه من دون هذه العناصر نكون نضيّع وقتنا.
أما الموضوع الثاني، فهو عصب النهضة المالية والنقدية والاقتصادية، ويتعلّق باسترداد الودائع وكل ما يدور حول هذا الملف.
فيما يتعلّق بالموازنة، فإن الزملاء النواب في تكتل الجمهورية القوية سيدخلون في تفاصيلها. إلا أنّه لا يمكنني ألّا أتوقّف عند المخالفات الدستورية، وأودّ أن ألفت النظر إلى تدرّجها.
المخالفة الأولى أننا نبحث في موازنة دولة الرئيس من دون وجود قطع حساب. ودولة الرئيس، نحن ندرس موازنة من دون قطع حساب، وفي ذلك مخالفة دستورية واضحة. وإذا أقررنا موازنة من دون قطع حساب نكون قد ارتكبنا مخالفة دستورية، وهذا أمر كتكتل لن نُقدم عليه.
الموضوع الثاني يتعلّق بالاقتراحات التي وردت لإضافة مواد جديدة إلى مشروع الموازنة. نحن جميعاً نعلم أن مشروع قانون الموازنة ليس مشروع قانون عادي، بل هو مشروع يعود للحكومة، أي للسلطة التنفيذية حصراً، وفقاً لأحكام الدستور.
ومن هنا، أتوجّه بسؤال واضح إلى رئيس الحكومة نواف سلام، ومن خلاله إلى وزير المال:
هل أرسلت مواداً جديدة؟ لأن إرسال مواد جديدة بهذه الطريقة يُعدّ مخالفة دستورية. فهذه المواضيع يجب أن تُبحث في مجلس الوزراء، وأن تُرسل أصولاً من خلاله. وإذا قال إن هذه المواد لم تُرسل من قبله، بل أُدرجت من دون علمه، فعندها نعلن براءته أمام الجميع.
أما النقطة الثانية، فهي مدى جواز اقتراح النواب إضافات على مشروع الموازنة. نحن نتحدّث عن مشروع قانون موازنة، وليس عن مشروع قانون عادي. ففي مشاريع القوانين العادية يمكن للنواب أن يتقدّموا باقتراحات. أما مشروع قانون الموازنة فهو كلٌّ لا يتجزأ، ويعكس السياسة العامة للحكومة بأكملها.
ولا سيّما أن هذه الاقتراحات، إذا فُتح بابها، يمكن أن تؤدي إلى إلغاء رسوم أو زيادتها أو تغيير الرؤية الكاملة للموازنة، بل إلى تفريغها أو إعادة تركيبها، وكل ذلك يشكّل أيضاً مخالفة دستورية.
أما فيما يخصّ احتياطي الموازنة، يا دولة الرئيس، وأنت رجل قانون أولاً، وصاحب خبرة طويلة في شؤون الموازنة ثانياً، فإن احتياطي الموازنة له طبيعة قانونية دقيقة. فهو اعتماد مالي غير مخصّص، يُدرج ضمن باب النفقات في قانون الموازنة، ويُخصّص لمواجهة نفقات طارئة أو غير متوقّعة خلال السنة المالية، من دون تحديد وجهة صرف مسبقة. وبالتالي، لا يجوز التصرّف به إلا من قبل الحكومة. وكل ما جرى حول الاحتياطات التي مُنحت للحكومة دستورياً يجب ألّا يشكّل مخالفة للدستور.
بعد أن عرضت هذه النقاط الثلاث، أنتقل إلى الغوص في الموضوعين الأساسيين.
إذا قارنا الموازنة الحالية بتلك التي وضعت عام 2018، نرى أن واردات الدولة انخفضت من 11.5 مليار دولار إلى نحو 4 أو 5 مليارات، على رغم عودة الأسعار إلى الارتفاع. فإذا أردنا أن نعيد البلد إلى ما كان عليه، وأن نؤمّن للناس الاستقرار والأمن والرخاء، وأن نُطلق مسار الإصلاح، فلا بد من معالجة جذور الأزمة.
في ما يتعلّق بالأمن والاستقرار، مرّت سنة على العهد الجديد، وأكثر من عشرين سنة على القرار 1701، وسنة وأربعة أشهر على قرار وقف الاعتداءات، وعدّة أشهر على قرار الحكومة القاضي بمعالجة مسألة السلاح غير الشرعي. ومع ذلك، وصلنا إلى مرحلة استُنزف فيها العهد، وخُفّض منسوب الديناميكية التي كان يُعوّل عليها الناس لبناء الدولة، وذلك سعياً لإدارة الأمور بهدوء.
لكن ما الذي حصل؟ بدلاً من الاستفادة من هذه المقاربة الهادئة، شهدنا تصعيداً سياسياً ضد رئيس الجمهورية وضد الحكومة لأنهما استمهلا تنفيذ القرارات من اليوم الأول، على الرغم من أن التريّث كان بهدف الوصول إلى بناء الدولة بأقل قدر ممكن من الصدام.
اليوم، نحن نطرح معادلات لم تعد قائمة، ونناقش خيارات لم تعد قابلة للتطبيق. التاريخ لا يعود إلى الوراء، ولا يمكن الرهان على خيارات تجاوزها الزمن. ووجود تنظيمات مسلّحة أو أمنية أو عسكرية خارج إطار الدولة بات خارج السياق كلياً، ولا يتناسب مع المرحلة التي نريد أن نتّجه إليها.
نحن أمام مفترق طرق حاسم: إما أن ننخرط جميعاً في الدولة، وإما أن نترك البلد يواجه أزمة ستنعكس على حاضره ومستقبله. فلا جدوى من الحديث عن اقتصاد أو تطوير أو حلول إذا لم نحلّ هذه المشكلة الأساسية. لم يعد لدينا متّسع من الوقت، ولا ترف التنظير.
لقد أدخلنا أنفسنا في حروب لا طائل منها، ودفع لبنان أثماناً باهظة. فهل من المنطق أن ندخل في صراعات خارجية لدعم نظام خارجي، وأن نحمّل اللبنانيين أعباء لا علاقة لهم بها؟ المطلوب أن نفكّر جميعاً بهدوء وبمسؤولية، فقد اكتفينا خراباً وتعطيلاً ومآسي.
أنتقل الآن إلى الموضوع الثاني، وهو الإصلاح.
منذ عام 2019، تتمحور المشكلة الأساسية حول الأزمة المالية التي انعكست على القطاع المصرفي، وأدّت إلى الاستيلاء على ودائع الناس. مشروع قانون الفجوة المالية الذي قدّمته الحكومة لا يؤدّي إلى ردّ الودائع. نحن مستعجلون لإقرار قانون يُعيد الودائع بأسرع وقت ممكن، وسنبذل كل جهد ممكن لمعالجة هذا الملف.
غير أن هذا القانون يطرح إشكالية دستورية أساسية. فقد بُني على نظرية تقول إن الدولة، في ظروف معيّنة، يمكنها تقييد حق الملكية. لكن الاجتهادات الدستورية تشترط تحديد مهلة واضحة، وآلية تعويض، وقواعد دقيقة، وضمان عدم تآكل الحق مع مرور الوقت. ما جرى هو وضع المبدأ ثم تدمير كل آليات تطبيقه.
عملياً، يرتكز هذا القانون على رقم واحد فقط، وهو أن 85% من المودعين سيستعيدون حقوقهم. لكن الحقيقة أن هؤلاء المودعين خسروا حتى الآن نحو 20% من حقوقهم، وسيخسرون 20% إضافية خلال السنوات المقبلة. أي أننا نكون قد اقتطعنا 40% من حقوق 85% من المودعين.
والأخطر من ذلك أن هؤلاء الـ85% لا يمثّلون سوى 18% من إجمالي الودائع. أي أننا نأتي بعد خمس سنوات لنحلّ 18% فقط من مشكلة الودائع، من دون أي دراسة للانعكاسات المالية والاقتصادية والتنموية.
لدينا مغتربون يملكون ودائع بقيمة 8.6 مليارات دولار، لن يُعاد لهم سوى أقل من مليار. ولدينا مؤسسات خاصة بالمهن الحرّة تُشكّل عصب الاقتصاد، تملك 8.9 مليارات دولار، لن يُعاد لها سوى 900 مليون. والمؤسسات التعليمية، والجمعيات، والشركات المستوردة، والأجانب الذين استثمروا في لبنان، جميعهم خارج أي حل حقيقي.
من هنا، نقترح مقاربة واضحة:
يجب تحديد المسؤوليات والأرقام والالتزامات بدقّة.
كم تدينت الدولة من أموال المودعين؟ كم تدين لمصرف لبنان؟ متى وكيف ستردهم؟ نفس الأمر ما حجم خسائر مصرف لبنان كيف سيردهم ومتى؟ والأمر نفسه ينطبق على المصارف الخاصة.
من دون هذه المعطيات، لا نكون قد قدّمنا حلاً، ولا أعدنا الودائع، ولا استعدنا الثقة.
من هذا المنطلق، وجّهت كتاباً إلى مصرف لبنان للحصول على هذه الأرقام وكم دين الدولة اللبنانية، وكنت أتمنى أن تقوم الحكومة بهذا الواجب.
وجاء الجواب مؤكّداً استعداد المصرف لوضع كل المستندات والأرقام قيد التدقيق والمناقشة القضائية إن لزم الأمر.
وتبيّن أن مجموع المبالغ، من دون فوائد، يبلغ نحو 58 مليار دولار، تتوزع بين الأموال الناتجة عن تطبيق



