أخباركم – أخبارنا
تقرير لبنان الميداني
لم تعد الجبهة الجنوبية تُقاس بعدد القذائف المتبادلة ولا بحجم الخروق اليومية، بقدر ما تُقاس بحجم القلق الكامن خلف هذا الهدوء المتوتر. فبين تصعيد إسرائيلي محسوب، ورسائل تهديد تتجاوز لبنان نحو إيران، يقف البلد عند تقاطع حساس، حيث يصبح أي تفصيل صغير قادراً على جرّه إلى مسار لا يملك ترف اختياره ولا قدرة تحمّل كلفته.
فقد قال العميد المتقاعد أمير أفيفي، الرئيس الحالي لمنتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي، في مقابلة خلال مؤتمر “تعزيز الشمال” الذي نظمته صحيفة “إسرائيل هيوم” في الجليل الأعلى، إن الهدوء القائم على الحدود الشمالية “خادع”، وإن إسرائيل “تبني نفسها تدريجيا نحو حملة ضد إيران”.
واضاف، إن أي إطلاق نار من قبل حزب الله سيقابل بضربات إسرائيلية “حتى الانهيار”، مؤكدًا أن الهدف المركزي بات “إسقاط النظام الإيراني”، وهو ما من شأنه، بحسب تعبيره، أن يؤدي إلى انهيار جميع أذرعه في المنطقة.
وأشار إلى وجود مئات آلاف قطع السلاح غير القانوني، معتبرا أن الدولة مطالبة، فور انتهاء الحرب، بنقل مركز الثقل من الجيش إلى الجبهة الداخلية، وفرض النظام بقوة القانون.
ميدانيا، قام الجيش اللبناني بتفجير بالون حراري اسرائيلي كان قد عُثر عليه يوم أمس في بلدة تفاحتا ــ ضهر الدرجة.
كما سقطت قذيفتان اطلقتهما المدفعية الاسرائيلية قبالة رأس الناقورة في البحر بعد ظهر اليوم.
وأقدم الجيش الإسرائيلي عند الساعة الحادية عشرة ليلًا على تفجير منزل داخل بلدة يارين في الجنوب، بعد عملية توغّل بري تجاوزت 1500 متر من الجدار الحدودي.
ويأتي هذا الخرق الميداني ضمن سلسلة عمليات تصعيدية قامت بها القوات الإسرائيلية خلال الساعات الماضية داخل الأراضي اللبنانية.
في المقابل، كشفت مصادر مقربة من حزب الله لـ”إرم نيوز” أن قيادة الحزب أصدرت خلال الأسابيع الأخيرة تعليمات مشددة تقضي بالالتزام الصارم بقواعد الاشتباك المعتمدة على الجبهة الجنوبية، ومنع أي اجتهادات ميدانية فردية، مع توسيع قنوات الإشراف والمتابعة المباشرة على الوحدات المنتشرة في القرى والنقاط الأمامية. وبحسب المصادر، جرى التشديد على حصر أي رد أو تحرك بقرار مركزي واضح، والتعامل مع الاستفزازات الإسرائيلية بأقصى درجات الانضباط، في ظل حساسية المرحلة الإقليمية وخطورة أي حادث غير محسوب قد يفرض مسارا تصاعديا لا يريده الحزب في الوقت الراهن.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار إدارة جبهة تعمل منذ أسابيع تحت مستوى اشتباك مضبوط بدقة، إلا أن هذا الضبط بات يشكل بحد ذاته تحديا متزايدا مع طول أمد الاستنفار وارتفاع منسوب التوتر. وتؤكد مصادر خاصة مقربة من الحزب أن الأخير انتقل إلى نمط إدارة ميدانية استثنائي يقوم على الجهوزية الكاملة دون الذهاب إلى قرار حرب، ضمن معادلة دقيقة عنوانها الأساسي منع الانفلات.
ووفق هذه المصادر، لا يزال القرار العسكري مركزيا ومشددا ولا يترك أي هامش لاجتهادات محلية حتى في حالات الاستفزاز المباشر، غير أن طول أمد الاستنفار وتعدد نقاط الاحتكاك وكثافة الضغوط الميدانية تجعل السيطرة الكاملة على كل تفصيل أكثر تعقيدا مما تبدو عليه في الظاهر. وتقر الدوائر القريبة من القرار بأن الجبهة اليوم لا تدار بمنطق المبادرة، بل بمنطق الاحتواء ومنع التدهور، في ظل إدراك واضح لحساسية أي خطوة قد تخرج عن السقف المرسوم.
وتكشف المصادر نفسها أن القلق الأساسي داخل الحزب لا يتمثل في اتخاذ قرار سياسي بالتصعيد، بل في احتمال وقوع حادث ميداني محدود وغير مقصود قد يفرض مسارا تصاعديا لا يريده الحزب في هذه المرحلة. وتشير التقديرات إلى أن أي رد محدود، حتى لو جاء في إطار الردع التكتيكي، قد يفسر إسرائيليا أو أميركيا كتحول في قواعد الاشتباك، ما يستدعي ردا مضادا قد يخرج سريعا عن سقفه الأولي.
وتضيف المصادر أن البيئة الحالية لا تحتمل سوء تقدير واحد، لأن هامش المناورة تقلص إلى حدّه الأدنى، ولأن أي تصعيد غير مضبوط قد يفرض على الحزب ولا يكون خيارا اتخذه بإرادته. وفي موازاة ذلك، يبرز تحد آخر يتمثل في إدارة العنصر البشري على الجبهة، إذ يخلق الاستنفار الطويل ضغطا نفسيا وميدانيا متزايدا على الوحدات المنتشرة، خصوصا في القرى الحدودية والنقاط الأمامية حيث الاحتكاك اليومي وحالة الترقب المستمرة.
وبحسب مصادر مطلعة، وسّع الحزب قنوات الإشراف المباشر وفعّل آليات متابعة أكثر صرامة للحد من أي رد فعل غير منضبط، مع إقرار ضمني بأن الاستنفار الطويل ليس وضعا مثاليا وأن السيطرة الكاملة تصبح أكثر صعوبة كلما طال الزمن وارتفع منسوب الضغط.
وفي هذا السياق، تنظر القيادة بقلق إلى تحوّل الردع من عنصر قوة إلى عنصر مخاطرة، إذ يتطلب إظهار الجهوزية الدائمة لكنه يضاعف في الوقت نفسه احتمالات الاحتكاك غير المرغوب فيه. وتؤكد المصادر أن الحزب لا يرى نفسه اليوم في موقع المبادر، بل في موقع من يسعى إلى منع فرض المواجهة عليه، في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب تجعل أي ساحة تماس عرضة للاشتعال. ووفق هذه المعطيات، تبدو الجبهة الجنوبية أقل استقرارا مما توحي به محدودية الاشتباكات، لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في القرار الكبير، بل في التفصيل الصغير الذي قد يخرج عن السيطرة ويفرض مسارا لم يكن مطلوبا ولا مرغوبا.



