أخباركم – أخبارنا/ عايدة الأحمدية
يقرّ مجلس النواب اللبناني اليوم مشروع قانون الموازنة العامة للعام 2026، في جلسة وُصفت بالأكثر توتراً منذ انطلاق المناقشات، بعد أيام من السجالات السياسية والاقتصادية، وسط انقسام واضح بين الكتل النيابية حول مضمونها وجدواها وقدرتها على إخراج البلاد من دوّامة الانهيار المتواصل.
ورغم حجم الانتقادات التي وُجّهت للموازنة من مختلف الاتجاهات السياسية، ينتظر اأن تصوّت الأكثرية النيابية لمصلحتها، ما يكرّس توصيفها كموازنة «إدارة أزمة» أكثر منها موازنة إصلاح أو نهوض اقتصادي، في ظل غياب رؤية شاملة لمعالجة مكامن الخلل البنيوي في المالية العامة والاقتصاد الوطني.
خلال جلسات المناقشة، ركّز النواب على سلسلة ملفات أساسية، أبرزها:ضعف العدالة الضريبية وعدم توزيع الأعباء بشكل عادل بين الفئات الاجتماعية، استمرار تضخّم بند الأجور والرواتب من دون إصلاح إداري وهيكلي فعلي، غياب خطة اقتصادية متكاملة للنمو وتحفيز الإنتاج ‘تجاهل ملف الدين العام وإدارته بطريقة شفافة.وغموض آليات دعم الفئات الأكثر فقراً والمتضرّرين من الانهيار.
كما برزت اعتراضات على ما اعتُبر «استمرار النهج الترقيعي»، حيث تُدار الأزمة بالأدوات نفسها التي ساهمت في تعميقها، من دون مقاربة إصلاحية جذرية تعيد الثقة الداخلية والخارجية بالدولة ومؤسساتها.
ولم تخلُ الجلسات من الخطاب الشعبوي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، حيث تحوّلت مداخلات عدد من النواب إلى منابر لطرح مطالب المناطق، والمزايدة في الدفاع عن حقوق الموظفين والمتقاعدين، في مشهد عكس تداخلاً واضحاً بين الحسابات الانتخابية والقرار المالي الوطني.
ومع دخول الموازنة حيّز التنفيذ بعد التصويت عليها في جلسة اليوم، يبقى السؤال الأساسي:
هل ستكون أداة لتنظيم الانهيار فقط، أم مدخلاً فعلياً لإعادة بناء الدولة والاقتصاد؟
حتى الآن، كل المؤشرات تدل على أنها «موازنة إدارة أزمة» بامتياز،بحيث تعتمد الموازنة بشكل أساسي على الإيرادات الضريبية التي تمثّل نحو 83% من مجموع الإيرادات، مقابل 17% فقط للإيرادات غير الضريبية، مع ارتفاع كبير في الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات، التي تتجاوز 64% من إجمالي الضرائب، الأمر الذي يفاقم الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين ويكرّس نموذج الجباية بدل التنمية.
تشير هذه الموازنة إلى استمرار النموذج القائم على الترقيع، الذي يهدف إلى “تنظيم الانهيار” وضمان استمرارية مالية شكلية للدولة، دون معالجة جذرية لأسباب الأزمة، كالدين العام والفساد الإداري والهدر وغياب العدالة الضريبية.
السؤال المصيري الذي تطرحه هذه المرحلة هو: إلى متى يمكن استمرار إدارة الأزمات من خلال الأدوات نفسها التي أوصلت إليها؟ يبدو أن الإجابة مرتبطة بإرادة سياسية حقيقية لتجاوز منطق التسويات الآنية، والانتقال إلى عقد اجتماعي واقتصادي جديد، يقوم على الإصلاح الهيكلي والشفافية والعدالة، ويضع أساساً لاستعادة الثقة – الداخلية والخارجية – وهي الشرط الأساسي لأي عملية إنقاذ حقيقية.
بإقرار هذه الموازنة، يجدد مجلس النواب اللبناني تمسكه بمنطق “التسويات المؤقتة” على حساب “الإصلاحات الجذرية” . وبينما تتسابق الكتل النيابية في إلقاء خطاباتها، يبقى الواقع المالي رهينة قرارات تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية. إن إقرار “موازنة إدارة الأزمة” اليوم هو اعتراف ضمني بعجز الطبقة السياسية عن تقديم حلول بنيوية، لتظل المالية العامة مجرد أرقام تُدير الانهيار بانتظار.
في المحصلة، فإن إقرار الموازنةسيكون أقرب إلى تسوية سياسية منه إلى خيار اقتصادي مدروس، فرضته الحاجة إلى انتظام مالي شكلي في مؤسسات الدولة، أكثر مما فرضته قناعة فعلية بقدرتها على إطلاق مسار إصلاحي حقيقي.



