أخباركم – اخبارنا
تقرير لبنان السياسي
عشية جلسة حكومية مخصّصة لعرض خطة الجيش اللبناني للانتشار والعمل شمال نهر الليطاني، يبرز مجدداً النقاش حول حصر السلاح بيد الدولة، سواء في مجلس الوزراء أو تحت قبة البرلمان، حيث تحوّل هذا الملف إلى أحد أبرز محاور المداخلات النيابية المتصلة بمشروع الموازنة، وبشروط جذب الاستثمارات وتحريك الاقتصاد. ويأتي ذلك بالتوازي مع متابعة دولية لافتة للوضع اللبناني، تمثلت في تنسيق قطري–فرنسي حول مقاربة الأزمة، وترحيب بريطاني بالتقدم الذي يحققه الجيش في الجنوب، إلى جانب تأكيدات أوروبية على دعم المسار الإصلاحي وتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية.
وفيما تتزاحم الملفات السياسية والأمنية والمالية على طاولة الدولة اللبنانية، يتقدّم ملف حصرية السلاح وتثبيت سلطة الدولة كعنوان مركزي في المرحلة الراهنة، مترافقاً مع حراك حكومي داخلي واتصالات خارجية كثيفة، وسط نقاش نيابي حاد حول موازنة 2026، واستعدادات لاستحقاقات دستورية وانتخابية يلفّها كثير من الالتباس. مشهد يعكس استمرار الدوران في حلقة الأزمات، في وقت يبحث فيه لبنان عن فرصة جدية لإعادة بناء مؤسساته واستعادة ثقة الداخل والخارج.
في المقابل، يستمر السجال الداخلي حول طبيعة الموازنة وجدواها، بين من يعتبرها استمراراً لنهج إدارة الانهيار، ومن يراها موازنة اضطرارية لمنع سقوط ما تبقّى من الدولة، وسط إجماع واسع على غياب رؤية اقتصادية شاملة وخطة إصلاحية متكاملة. ويتقاطع هذا النقاش مع مواقف متباينة حيال الاستحقاق الانتخابي وقانونه، ومع دعوات إلى إعادة الاعتبار لدور القضاء كمدخل أساسي لمكافحة الفساد وترسيخ العدالة.
وضمن هذا المشهد المركّب، تبدو المرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، رهن قدرة السلطة على تحويل العناوين المطروحة إلى قرارات عملية، وعلى استثمار الدعم الخارجي المتاح لإطلاق مسار إنقاذي فعلي يضع الدولة، بكل مؤسساتها، في موقع الفعل لا ردّ الفعل.
اذا، عشية توجّه قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن مطلع شباط المقبل، يعقد مجلس الوزراء بعد ظهر الجمعة جلسة في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية، وعلى جدول أعمالها بند أساسي يتعلّق بعرض الخطة التي أعدّها الجيش اللبناني للانتشار والعمل شمال نهر الليطاني. ومن المقرّر أن يقدّم قائد الجيش عرضاً مفصلاً أمام الوزراء يتناول الإطار العملياتي للخطة ومراحل تنفيذها والمهام الموكلة للوحدات العسكرية، إضافة إلى المتطلبات اللوجستية والأمنية المرتبطة بها، في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة في الجنوب والالتزامات المترتبة على الدولة اللبنانية. وتأتي هذه الجلسة في سياق متابعة الحكومة للملف الأمني الجنوبي، وفي ظل تشديد دولي متواصل على ضرورة تعزيز حضور الجيش في المناطق الواقعة شمال الليطاني، بما يضمن تثبيت الاستقرار ومنع أي تدهور أمني، انسجاماً مع القرارات الدولية ذات الصلة.
هذا الملف حضر بقوة أيضاً في مداخلات عدد من النواب خلال الجلسة العامة التي استكملت مناقشة مشروع موازنة 2026، حيث ربط كثيرون بين أي نهوض اقتصادي حقيقي وبين بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. وفي هذا الإطار، رأى رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل أن الموازنة يجب أن تكون مبنية على رؤية وهدف واضحين، لا مجرد “صف أرقام”، معتبراً أن تكبير إيرادات الدولة يمر عبر إدخال الاقتصاد غير الشرعي إلى المظلة القانونية، وأن غياب الاستثمارات يعود أساساً إلى حالة عدم الاستقرار وغياب السيادة. وأكد أن لا شركة أجنبية تستثمر في بلد يعيش على وقع احتمال الحرب، داعياً السلطة التنفيذية إلى معالجة أسباب هروب الأموال عبر تعزيز الاقتصاد الشرعي وترسيخ سيادة الدولة.
وأثارت عبارة “ميليشيات مسلحة” التي استخدمها الجميّل تحفّظ النائب علي المقداد، قبل أن يتدخّل رئيس مجلس النواب نبيه بري موضحاً أن المقصود ليس المقاومة.
وفي الجلسة المسائية التي انطلقت عند السادسة مساءً لاستكمال مناقشة الموازنة في يومها الثاني، برزت انتقادات واسعة لمضمون المشروع وأدائه. النائب إبراهيم منيمنة اعتبر أن لبنان يناقش موازنة 2026 في ظل انكماش اقتصادي وانهيار مالي غير معالج، مشدداً على أن الموازنة يفترض أن تكون رافعة سياسية واقتصادية لإطلاق النمو واستعادة الثقة، لا أداة جباية أو إدارة عجز، ومحذراً من أي خطوات قد تورّط البلاد في مغامرات خطرة.
النائب زياد الحواط شدد بدوره على أن الدولة القوية هي التي تحتكر السلاح والقرار الأمني وتحمي ودائع الناس، منتقداً ما وصفه بالجمود القاتل في لبنان، ومعتبراً أن الحكومة لم تقدّم موازنة استثنائية تؤسس لمسار إصلاحي حقيقي، بل مشروعاً “أقل من عادي”، مؤكداً رفض إقرار قانون الفجوة المالية بعد سبع سنوات من الأزمة من دون محاسبة.
أما النائب أسعد درغام فركّز على عجز الدولة عن تلبية حاجات عكار وتأمين رواتب لائقة للجيش اللبناني، داعياً إلى تصحيح الأجور وحل ملف المتقاعدين العسكريين، ومعلناً حجب الثقة عن الحكومة لعدم تلبيتها تطلعات المواطنين.
النائب سيمون أبي رميا رأى أن جميع الموازنات السابقة كانت ترقيعية ومحاسبية، وأن المشكلة الحقيقية تكمن في النظام السياسي والاقتصادي بأكمله، لا في الأرقام فقط. واعتبر أن هذه الموازنة هي موازنة ضرورة لمنع الانهيار الكامل، لا موازنة أحلام، مطالباً بتأمين تغطية صحية شاملة، ودعم الشباب، وإعادة كرامة العسكريين، ومعالجة ملفات إنمائية أبرزها سد جنة وتطبيق قانون إنشاء محافظة كسروان–الفتوح–جبيل، إضافة إلى الإسراع في التدقيق الجنائي واسترداد الودائع.
من جهته، شدد النائب ملحم – وليم – طوق على غياب أي خطة إصلاحية أو تدقيق جنائي جدي، معتبراً أن تحديد المسؤوليات هو المدخل الأساسي للحلول، ومشيراً إلى ضرورة الإجابة عن سؤال من يستحق استرجاع حقوقه أولاً. ورأى النائب ينال الصلح أن لبنان لا يُبنى بالجباية بل بالإنتاج، داعياً إلى دعم القطاعات المنتجة وإنصاف المناطق، ومعتبراً أن ما يُفرض على لبنان هو إخضاع لا إصلاح، وأن السيادة لا تتجزأ. أما النائب غازي زعيتر فأكد حق الشعب في مقاومة الاحتلال، وطالب الحكومة بتحمّل مسؤولية إعمار الجنوب من دون انتظار الدعم الخارجي، مشدداً على ضرورة إجراء الانتخابات النيابية في موعدها. كذلك، انتقد النائبان الياس جراده وعبد الرحمن البزري غياب العدالة الاجتماعية والتوجه الإصلاحي في الموازنة، معتبرين أنها لم تلبِّ احتياجات المواطنين ولا سيما المتضررين من الاعتداءات الإسرائيلية، ولا ترقى إلى مستوى الآمال المعقودة على العهد الجديد.
بالتوازي مع الحراك الداخلي، يتواصل الاهتمام الخارجي بالوضع اللبناني. فقد أعلنت وزارة الخارجية القطرية أن رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني استقبل المبعوث الفرنسي إلى لبنان جان إيف لودريان في الدوحة، حيث جرى بحث علاقات التعاون بين البلدين وآخر التطورات في لبنان، مع تأكيد أن استقرار لبنان يشكّل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، وضرورة التزام الأطراف بتطبيق القرار 1701 واحترام سيادة لبنان. كما جددت قطر إدانتها للاعتداءات الإسرائيلية، ونوّهت بدور المجموعة الخماسية في مساندة لبنان واستمرار العمل المشترك لدعم مسارات التعافي والتنمية.
وفي السياق نفسه، استقبل رئيس الحكومة نواف سلام السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو، وبحث معه الأوضاع العامة والتحضيرات لمؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنية المقرر عقده في الخامس من آذار المقبل.
كذلك، تلقى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي اتصالاً من وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هاميش فالكونير، الذي أعرب عن ترحيب بلاده بالتقدم الذي يحرزه الجيش اللبناني في حصر السلاح في المناطق الجنوبية، مؤكداً استمرار دعم المملكة المتحدة للجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في لبنان والمنطقة. وشدد رجي على ضرورة استمرار مساندة الجيش لتمكينه من تنفيذ قرار الحكومة بحصر السلاح على كامل الأراضي اللبنانية. كما استقبل الممثل الخاص لوزارة الخارجية النمساوية لشؤون الشرق الأوسط أراد بنكو، الذي أكد دعم بلاده للمسار الإصلاحي واستعدادها لدعم الجيش للانتشار في كامل المنطقة الجنوبية واستعادة الأراضي اللبنانية المحتلة، مع بحث ملفات عدة بينها قوات اليونيفيل، الوضع في سوريا وملف اللاجئين.
وفي المواقف السياسية، أكد النائب زياد الحواط من قصر بعبدا دعمه للعهد والمسيرة التي يقودها رئيس الجمهورية، مشدداً على ضرورة الاستفادة من الدعم العربي والدولي المتاح لإنقاذ لبنان، وعلى أهمية الالتزام بمبدأ حصرية السلاح وإجراء الانتخابات النيابية في موعدها. في المقابل، أعلن النائب أديب عبد المسيح أنه سيتقدم باقتراح قانون لتأجيل الانتخابات لمدة سنة، معتبراً أن إجراؤها في موعدها غير واقعي، فيما حذّر نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب من أزمة محتملة في الاستحقاق الانتخابي، واصفاً قانون الانتخاب الحالي بأنه مليء بالثغرات وداعياً إلى العودة لتطبيق أحكام الطائف.
قضائياً، أكد رئيس الجمهورية أن استقلالية القاضي تبدأ من استقلاله الشخصي، وأن حقوق الإنسان مقدسة والعدالة تضمن هذه الحقوق عبر إعطاء الحق لصاحبه والدفاع عن المظلوم، محذراً من أن الإخلال بالعدالة إرضاءً لمصالح شخصية يدخل في نطاق الفساد. ودعا إلى تعزيز عمل الجسم القضائي، ولا سيما الإسراع في البت بقضايا الموقوفين، وهو أمر سيُبحث في مجلس الوزراء ويشمل الموقوفين اللبنانيين والسوريين.
مالياً، عرض الرئيس عون مع رئيس لجنة الرقابة على المصارف الدكتور مازن سويد عمل اللجنة بعد ستة أشهر على تعيين أعضائها، والإنجازات التي حققتها وخطة العمل للمرحلة المقبلة، ولا سيما بعد إقرار مجلس الوزراء مشروع قانون “الفجوة المالية” وإحالته إلى مجلس النواب، في خطوة تندرج ضمن مسار معالجة أحد أكثر ملفات الأزمة حساسية.



