أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
في ثلاثينيات القرن العشرين، كتب ليون تروتسكي في كتابه «الثورة المغدورة» تحذيرًا لم يكن موجّهًا إلى الأنظمة الثورية وحدها، بل إلى أنصارها بالأساس: حين ينهار الاتحاد السوفياتي، لن يكون خصومه هم المسؤولين الرئيسيين عن سقوطه، بل “أصدقاؤه” الذين حجبوا عنه الحقيقة، وفضّلوا الولاء الأعمى على النقد، والتبرير على المكاشفة.
هذا التحذير لم يبقَ في إطار السجال الثوري، بل أصبح لاحقًا موضوعًا مركزيًا في أدبيات علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي التي درست ظاهرة «العمى السلطوي» وكيف تفقد الأنظمة قدرتها على رؤية مجتمعاتها بوضوح.
في كتاب «رؤية مثل الدولة» يشرح جيمس سي. سكوت كيف تميل الدول إلى تبسيط المجتمع ضمن خرائط ذهنية وإدارية تجعلها ترى ما يمكن قياسه والسيطرة عليه، لا ما هو موجود فعلًا. وحين تُستبعد الأصوات المزعجة من المجال العام، تتفاقم هذه المشكلة لأن الدولة تفقد القنوات التي تنقل لها الواقع كما هو.
ويتكامل هذا مع ما طرحه دوغلاس نورث في كتاب «العنف والنظام الاجتماعي»، حيث يؤكد أن استقرار الأنظمة لا يقوم على أدوات السيطرة فقط، بل على وجود مؤسسات تسمح بتداول المعلومات والتعبير عن المصالح. حين تُغلق هذه القنوات، يتحول الاحتقان إلى عامل تفجير بدل أن يكون مادة إصلاح.
أما دارون عجم أوغلو وجيمس روبنسون في كتاب «لماذا تفشل الأمم»، فيبيّنان أن الأنظمة التي تفتقر إلى مؤسسات شاملة تسمح بالمشاركة والمساءلة، تنغلق حول نخب ضيقة تعيد إنتاج خطاب يبرر الواقع بدل تغييره، فتفقد تدريجيًا قدرتها على التكيف.
عند إسقاط هذا الإطار النظري على إيران اليوم، تتضح الصورة. فبين خطاب رسمي يتحدث عن “المشاركة الشعبية” و”العدالة”، وواقع ميداني يتسم بتشدد أمني في التعامل مع الاحتجاجات، تتشكل فجوة إدراكية داخل بنية القرار. هذه الفجوة لا تتعلق بالسياسات فقط، بل بطريقة فهم ما يجري في المجتمع.
خلال احتجاجات 2022 التي اندلعت بعد وفاة مهسا أميني، تبنّت وسائل إعلام قريبة من الحرس الثوري الإيراني مثل وكالتي تسنيم وفارس خطابًا ركّز مبكرًا على “الإدارة الخارجية للشغب”. ومع اتساع الاحتجاجات، استمر هذا التأطير بحيث أصبح التركيز على “المحرّضين” أكبر من التركيز على أسباب الغضب الشعبي.
الأمر ذاته ظهر في خطاب قوات الباسيج، وفي بيانات مجالس التعبئة الطلابية داخل الجامعات، وكذلك في خطب مرتبطة بمجلس تنسيق أئمة الجمعة. في كل هذه المنابر، جرى توصيف الاحتجاجات بوصفها “حربًا مركّبة” أو “مؤامرة”، مع مساحة محدودة للاعتراف بوجود أزمة ثقة اجتماعية وثقافية وسياسية.
حتى داخل البرلمان، صدرت دعوات من نواب محافظين لتشديد القبضة القضائية والأمنية، ما عزّز المقاربة الردعية على حساب المقاربة الإصلاحية في النقاش العام.
هنا تتجلى المفارقة التي حذّر منها تروتسكي. هؤلاء ليسوا خصومًا للنظام، بل من أكثر مؤيديه التزامًا. لكنهم، عبر إعادة تفسير كل حدث بلغة أيديولوجية وأمنية، يساهمون في تشكيل «غرفة صدى» حول صانع القرار، فلا تصل إلى السلطة الصورة الكاملة للمجتمع، بل نسخة منقّحة منها.
وهذا بالضبط ما سبق أن قيل لبشار الأسد وأصدقائه منذ انتفاضة درعا، حين طغى خطاب “المؤامرة” على أي قراءة سياسية داخلية، وكانت النتائج معروفة لاحقًا.
كخلاصة، تبدو إيران اليوم أمام مفترق حاسم: إما إصلاح كامل يعيد وصل الدولة بمجتمعها ويكسر «غرفة الصدى» المحيطة بالقرار، أو خطر الانزلاق إلى مسار يشبه الحالة السورية بكل ما حملته من كلفة على الدولة والمجتمع معًا.



