كتب ابراهيم بيرم لـ “أخباركم – أخبارنا”
مجدداً يعود الوضع في داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان الى دائرة الضوء، لكن هذه المرة من بوابة مخيم البداوي الواقع قرب مدينة طرابلس في الشمال، وتحديداً من مدخل خطوة اجرائية يبدو جلياً عليهاأن سلطات بيروت والمرجعية الرسمية للاجئين، أبرمت تفاهماً ضمنياًعلى الانطلاق بها، يقضي بتقدم وحدات من الجيش اللبناني الى مدخلي المخيم الشمالي والجنوبي وتسلمهما من عناصر جهاز الامن الفلسطيني توطئة للسيطرة عليهما.
وبحسب المعطيات المتوافرة، من المقرر ان تنطلق هذه الخطوة في الاسبوع المقبل، بعدما ابدت بقية الفصائل عدم اعتراضها على هذا الاجراء الذي يعتبر حدثاً كونه أنهى وضعاً فرضته تطورات حدثت منذ النصف الاول من عقد السبعينات.
وبناء عليه، تصبح لهذا التطور ابعاد شتى تتجاوز محدوديته، لتؤسس لمرحلة جديدة في التعامل مع ملف السيطرة على المخيمات وتجريدها من سلاحها الثقيل، وفق تفاهم مبرم بين الدولة اللبنانية والسلطة الفلسطينية.
المدخل “الشرعي” الذي عبرت منه الدولة لتنفيذ هذا الاجراء، كان بطلب من المرجعية الفلسطينية الرسمية (السفارة وسلطة رام الله ومؤسساتها التابعة في المخيمات) التي يبدو جلياً أنها نجحت الى حد بعيد في القبض على زمام كل الشأن الفلسطيني في لبنان، منذ ان قدم رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله الى بيروت في ايار ما قبل الماضي،وأبرم مع العهد الرئاسي الجديد اتفاقاً يقضي بتجريد المخيمات من سلاحها الثقيل وهو ما بدأته حركة “فتح” طوعاً في انتظار ان تحذو حذوها بقية الفصائل وفي مقدمها حركة “حماس”.
منذ ذلك الحين ولحد اليوم، صار المعنيون يترصدون دوماً خطوة تلو أخرى تتصل بوضع المخيمات، فمن تسليم السلاح الى مطالبة الدولة عبر لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني بقية الفصائل، الاستجابة للطلب الموجه اليها منذ زمن، الى اعادة تفعيل دور الاجهزة الامنية التابعة للسلطة، الى تحركات مكثفة لاثبات ان شؤون اللاجئين والمخيمات آلت الى يد المرجعية الرسمية، لا سيما بعدما اطيح بكل الطاقم السابق في السفارة والمؤسسات المعنية وأوتي بطاقم جديد وبهيئة جديدة تشرف على “الساحة اللبنانية”.
وفي سياق هذا المسار المستمر، كان اجراء تسليم الجيش حواجز الدخول الثلاثة (استحدث واحد جديد على مداخل البداوي).
امام ذلك، تؤكد فصائل انها لا تعترض على هذا الاجراء، لكنها تحتفظ بالعديد من الملاحظات إن لجهة “التفرد” بالقرار أو لناحية تجاهل مطالب اللاجئين واوضاعهم التي تزداد صعوبة بعد قرارات وكالة “الاونروا” بتقليص خدماتها ورواتب العاملين فيها اخيراً.
وابلغت مصد قيادي في حركة “حماس” لموقعنا، “أن ما يشهده مخيم البداوي هو نتيجة الحادث الاليم الذي ادى الى سقوط قتيل في اثناء عملية دهم كان ينفذها الأمن الوطني، مما أدى الى تداعيات أمنية على المخيم نتيجة رفض ذوي الضحية رواية الأمن للحادث، وظهور سلسلة احداث واعتراضات ادت الى توتر الوضع في المخيم، مما هدد استقرار الوضع فيه وبالتالي كان الافضل أن تتولى اللجنة الامنية المشتركة الامور بعيداً عن تفرد الامن الوطني بمتابعة القضية التي ولّدت احتقاناً. وفي كل الأحوال، فان الجهود مستمرة من الجميع لإيجاد مخرج ينهي ذيول الحادثة.
ويخلص المصدر الى القول: “نحن حرصاء على أمن مخيماتنا وعلى التنسيق مع الجهات الرسمية اللبنانية المعنية لمعالجة كل القضايا وفق احترام السيادة وبما يخدم قضايا الشعبين اللبناني والفلسطيني”.
واذا كانت جهات فلسطينية اخرى معارضة (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، لا تبدي اعتراضاً مباشراً على خطوة تسليم الجيش الحواجز على المداخل، الا انها تتخوف ضمناً من ثلاثة أمور:
الأول، من “تفرد” السلطة واجهزتها ومؤسساتها بالقرار الفلسطيني في لبنان، وتماديها في هذا الاجراء من دون التنسيق مع باقي الفصائل، وهو المعمول به منذ زمن بعيد وفق صيغ معروفة اثبتت حضورها. فهذا التمادي يمكن ان يؤسس لحالات لا تحمد عقباها ولها تداعياتها السلبية على مخيماتنا.
الثاني، ان الاجراء الاخير (تسليم المداخل للجيش) امر له مقدماته في هذا المخيمات، وتحديداً عندما اقفل الجيش كل المداخل الفرعية التي تصل المخيم بالجوار وتتيح حركة اوسع للسكان وتسهل امورهم الحياتية والاقتصادية، فيما بقيت هذه الخطوة السلبية من دون تفسير مقنع،خصوصاً ان الدولة اللبنانية لم تف بوعود اعطتها للجهات المعنية في المخيمات بالتخفيف من حدة هذه الاجراءات التي ضيقت على المخيم وسكانه وزادت من الازمة في داخله، خصوصاً انها ترافقت مع اجراءات اتخذتها وكالة “الاونروا” اخيراً عبر تقليص تقديماتها ورواتب العاملين فيها بنسبة لا تقل عن 20 بالمئة.
الثالث، ان ما تخشاها غالبية القوى الفلسطينية ان تعود الجهات الرسمية اللبنانية الى التعامل مع ملف اللاجئين من المنظور الامني فقط، فلا تأخذ في الاعتبار المطالب الاجتماعية والانسانية والحقوقية التي رفعوها مراراً وتكراراً ووعدوا بتحقيقها، لكن تلك الوعود ظلت حبراًعلى ورق.
وفي كل الأحوال، تبدو خطوة تقدم الجيش للامساك بمداخل مخيم البداوي (يعود بناؤه الى عام 1955 ويقطنه نحو 20 ألف نسمة)بالنسبة للدولة انجازاً يضاف الى رصيد انجازات حققتها اخيراً، خصوصاً ان هذه السلطات أطلقت اخيراً خطة امنية بغية الفصل بين مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة كبؤرتي تخزين وتصدير لنسبة لا بأس بها من تجارة المخدرات والممنوعات في بيروت وضواحيها.



