الثلاثاء, يونيو 9, 2026
28.5 C
Beirut

من شعار “التحرير” إلى مشروع التعطيل: كيف أنهك أوجلان المجتمع الكردي باسم المقاومة!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

على مدى أكثر من خمسةٍ وأربعين عاماً، عاش المجتمع الكردي واحدة من أكثر مراحله إنهاكاً واضطراباً، ليس فقط بسبب سياسات الدول المسيطرة على جغرافيته، بل أيضاً نتيجة مشروعٍ سياسي–عسكري حوّل الكرد إلى وقودٍ دائم للحرب تحت شعارات براقة مثل “المقاومة” و“البرخدان” و“تحرير وتوحيد كردستان”.

هذا المشروع، الذي قاده عبدالله أوجلان وتنظيمه، لم يكن في جوهره مشروع تحرر وطني بقدر ما كان مشروع سيطرة شاملة على القرار الكردي في كل جزء من أجزاء كردستان، ومنع ظهور أي مشروع سياسي مستقل لا يخضع لهيمنته الأيديولوجية والتنظيمية. فكل صوت كردي معارض، وكل محاولة تفكير خارج الإطار المرسوم، كانت تُواجَه بالقمع، أو التصفية، أو الاختطاف، سواء بشكل مباشر عبر كوادر التنظيم أو بشكل غير مباشر عبر تقاطع المصالح مع شبكات الدولة العميقة التركية التي وجدت في هذا التنظيم أداة مثالية لإدارة الصراع الكردي–الكردي.

دُفِع آلاف الشباب والشابات إلى الجبال، إلى السلاح، وإلى العمل الدعائي الحزبي، بينما جرى تهميش متعمّد لأي مشروع تعليمي حقيقي، أو ابتعاث أكاديمي، أو بناء نخب علمية مستقلة، رغم امتلاك الحزب موارد مالية ضخمة قُدّرت بملايين الدولارات. لم يكن هذا الإهمال صدفة، بل خياراً واعياً، لأن العلم والمعرفة يشكّلان تهديداً مباشراً لأي فكرٍ قائم على الطاعة العمياء، وتأليه القائد، وتحويل التنظيم إلى مرجعية فكرية مغلقة. ولهذا، كان معظم أصحاب الشهادات العليا والمثقفين الكرد يرفضون الخضوع لأيديولوجيا أوجلان، ويُنظر إليهم باعتبارهم خطراً لا رصيداً.

بعد اعتقال أوجلان، لم يتوقف المشروع، بل تغيّر شكله وخطابه. انتقل من شعار “تحرير كردستان” إلى محاربة فكرة الدولة الكردية نفسها، ثم جرى اختراع مفاهيم فضفاضة مثل “أخوة الشعوب” و“الإدارة المجتمعية”، وهي شعارات بدت إنسانية في ظاهرها، لكنها في الواقع حوّلت الكرد إلى أداة ضمن مشروعٍ إقليمي يخدم المصالح التركية قبل أي اعتبار وطني كردي. فبدلاً من تعزيز حق تقرير المصير، جرى شيطنة هذا الحق وتقديمه كفكرة “قومية متخلفة”، في تناقض صارخ مع عقود من الخطاب السابق.

هذا التحول وفّر لأنقرة مكاسب استراتيجية هائلة، أبرزها:

  • إيجاد الذريعة للتدخل العسكري والسياسي في روجافا، وإجهاض أي أفق حقيقي لتحوّلها إلى إقليم مستقر.
  • التدخل المستمر في شؤون إقليم كردستان العراق بحجة ملاحقة الحزب.
  • التغلغل في سنجار عبر وكلاء التنظيم، وتحويل المنطقة إلى ساحة صراع إقليمي.
  • محاولة فتح خطوط نفوذ داخل كردستان إيران بهدف إفشال أي حراك وطني مستقل قد يتشكل خارج السيطرة.

بهذا المعنى، لم يعد الحزب وأوجلان يمثلان مشروع تحرير، بل تحولا إلى عامل تعطيل دائم، يمنح أعداء الكرد الذرائع السياسية والعسكرية لضرب أي تجربة كردية ناجحة، وتشويه صورة النضال الكردي، وإبقاء المجتمع في حالة استنزاف مستمر.

إن أخطر ما في هذا المشروع أنه صادر القرار الكردي، وكسر التعددية السياسية، وربط مصير شعب كامل برؤية فرد وأيديولوجيا جامدة. وبدلاً من بناء مجتمع متعلم، قادر على إنتاج نخب سياسية وفكرية مستقلة، جرى تكريس ثقافة العسكرة والاصطفاف، ما جعل الكرد يدفعون ثمناً باهظاً من دمائهم، وطاقاتهم، ومستقبل أجيالهم.

لقد آن الأوان لإعادة قراءة هذه التجربة بجرأة، بعيداً عن القداسة والشعارات، والاعتراف بأن ما قُدِّم على أنه مشروع “تحرير” انتهى عملياً كمشروع تعطيل، استُخدم من قبل كل أعداء الكرد، وأسهم – بقصد أو بدون قصد – في إطالة عمر المأساة الكردية بدل إنهائها.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

غسّان الرفاعي و«اليسار الحقيقي واليسار المغامر»: سجال المرحلة لا سجال الأشخاص!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يستمر الرفيق محمد الصعيدي، بكرمٍ لا ينقطع، في مدّي...

في ذكراه، محسن إبراهيم: فطنة المناضل ودعابة المفكر!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ليس سهلاً أن تكتب عن دعابات محسن إبراهيم. فالرجل الذي...

صوت هادر من أجل الكرامة السيادية!

أخباركم - أخبارنا/ توفيق الشعار في لحظة تشهد أزمة إقليمية عميقة، قدم الرئيس اللبناني جوزاف...

الشيخ إمام: صوت العميان الذي أبصر خديعة السلطة وجرح فلسطين

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد أكثر من مطرب كان الشيخ إمام محمد أحمد عيسى، في...

More like this

غسّان الرفاعي و«اليسار الحقيقي واليسار المغامر»: سجال المرحلة لا سجال الأشخاص!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يستمر الرفيق محمد الصعيدي، بكرمٍ لا ينقطع، في مدّي...

في ذكراه، محسن إبراهيم: فطنة المناضل ودعابة المفكر!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ليس سهلاً أن تكتب عن دعابات محسن إبراهيم. فالرجل الذي...

إيران ومعركة الاحتفاظ بلبنان: حين يصبح سقوط بيروت بداية نهاية الهلال!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد لم يكن ما جرى هذه الليلة تفصيلاً عسكرياً عابراً...