أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم
أنا لبنان،
حين ينسى اسمه على عتبة مرفئه،
ويتلعثم صوته قبل أن ينطق بالحقيقة،
كأنّ الحرفَ جمرةٌ في الحلق،
وكأنّ الصمتَ أرحم من الاعتراف.
أنا العملةُ المرتجفةُ في جيب الفقير،
تتهاوى كأوراق خريفٍ بلا شجرة.
أنا المدارسُ التي أغلقت نوافذها،
فصار الضوءُ يتيمًا على عتباتها.
أنا المريضُ الذي يطرق أبواب المستشفيات
كأنّه يستجدي حقَّه في الهواء.
أنا الكهرباءُ التي غادرت البيوت
وتركت الشموعَ تبكي على أطراف الليل.
أنا الأمهاتُ الواقفاتُ على شرفات الانتظار،
ينسجن من الدعاء جسورًا للغائبين.
أنا الشبابُ الذين شدّوا حقائبهم
ومضَوا نحو مطاراتٍ لا تعيد الراحلين،
فصار البحرُ دفترَ أحلامهم المبلّل،
وصار الموجُ خاتمة الرسائل.
أنا الطوائفُ المتقابلةُ في ساحةٍ واحدة،
كلٌّ يرفع رايته،
ولا أحد يرفع راية الوطن.
أنا الخُطبُ العاليةُ فوق المنابر،
ترتفع كالدخان،
ولا تضيء شمعةً في بيتٍ واحد.
أنا الوعودُ المعلّقةُ في هواءٍ مثقوب،
تبحث عن أرضٍ فلا تجد سوى الصدى.
أنا المرفأُ الذي لا يرأف به أحد،
جرحٌ مفتوحٌ على ذاكرة البحر.
أنا البيوتُ التي تشقّقت جدرانها،
فصار الحزنُ يسكن الشقوق.
أنا الذاكرةُ المثقلةُ بحروبٍ
لم تتعب من تكرار نفسها.
أنا رغيفُ الخبز المعجون بعرق الكادحين،
ودماء المناضلين،
أنا الدواءُ الغائبُ عن رفوف الرجاء،
أنا الجامعةُ المُستباحة
والعدالةُ المحبوسة في درجٍ مقفل
وينسى المفتاحُ طريقه إليها.
أنا بيروت،
حين تتكئ على رمادها
وتبتسم كي لا تنهار،
كأمٍّ تخفي دمعتها عن أبنائها.
أنا الجبلُ الشامخ إذا صمتَ،
كي لا يتصدّع من فرط الصراخ.
أنا الجنوبُ في عين العاصفة، جعلوه ساحة بينما هو واحة،
وأنا الشمالُ، وانا القلب القلقُ من جدرانٍ تتداعى،
لكنّه يأبى أن يسقط.
أنا البقاع خزان الوطن، فالتاريخ مُسجى في هياكله.
أنا وطنٌ صار مدافن لخيرة أبنائه، ماتوا لأجل الغير الاّ لأجلي،
خدعوني وكذبوا عليّ وحولوني ملعباً للآخرين
أنا وطنٌ حرٌّ تركه الأحرار،
أنا أملك نظاماً ديمقراطياً بلا ديمقراطيين،
ودستورٌ يُطاح به لمصلحة أولياء الأمر.
أنا وطنٌ يعرف كيف ينهض،
لكنّه متعبٌ من كثرة السقوط.
إذا صرخ، تكسَّرتِ النِّصالُ على النِّصالِ،
وإذا بكى،
لم يسمعه أحد.



