الثلاثاء, يونيو 16, 2026
27.4 C
Beirut

حسين مروة: السيرة، المشروع، الاغتيال قراءة تاريخية – نقدية في «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» وسياقه الفكري والسياسي .. هل قتل هو ومهدي عامل بوعي وادراك؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

لا يمكن تناول مشروع حسين مروة «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية»، بوصفه مجرّد اجتهاد أكاديمي في قراءة التراث، ولا بوصفه مجرّد نتاج لسيرة فردية معزولة، بل بوصفه لحظة مفصلية في تاريخ الفكر العربي المعاصر، التقت فيها ثلاثة مسارات: تكوين ديني تقليدي عميق، وتحول جذري نحو الفكر الماركسي، وانخراط عضوي في الصراع الثقافي والسياسي العربي في القرن العشرين. من هنا، فإن قراءة «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» لا تنفصل عن سيرة صاحبه، ولا عن ظروف إنتاج الكتاب، ولا عن اغتياله بوصفه حدثًا ثقافي ثوري تغييري خارج المألوف، بقدر ما هو حدث أمني.

أولًا: السيرة الفكرية والتاريخية

وُلد حسين مروة في قرية حداثا، قضاء بنت جبيل، في جنوب لبنان. تذكر المصادر اختلافًا في سنة ولادته بين 1908 و1910، وهو اختلاف وارد في السير ولا يُحسم توثيقيًا بصورة قاطعة. والده هو رجل الدين الشيخ علي مروة.

هاجر إلى العراق عام 1924 لدراسة العلوم الإسلامية في النجف الأشرف، حيث تلقّى تكوينًا دينيًا تقليديًا في الفقه، واللغة العربية، وعلوم الكلام، والمنطق، وأنهى دراسته فيها عام 1938. هذا التكوين لم يكن مرحلة عابرة في حياته، بل شكّل البنية المعرفية العميقة التي مكّنته لاحقًا من التعامل مع التراث العربي-الإسلامي من الداخل، بلغة أهله ومصطلحاتهم ومنطقهم، لا من موقع القطيعة الخارجية.

بدأ اهتماماته بالكتابة الأدبية منذ سنوات دراسته الأولى في العشرينات، فكتب المقالة والقصة والنقد والبحث، وكتب بعض الشعر. وقد كان انفتاحه على الفكر العلمي والاجتماعي سابقًا لتحوله السياسي المنهجي. وتذكر سير متعددة أن بداية اطلاعه الجدي على الفكر الماركسي كانت عام 1948 عبر قراءة «البيان الشيوعي» الذي أعاره إيّاه حسين محمد الشبيبي، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي العراقي.

شارك حسين مروة أدبيًا وإعلاميًا وعمليًا في أحداث الوثبة الوطنية العراقية عام 1948، التي أسقطت معاهدة بورتسموث البريطانية مع حكومة العهد الملكي. وبعد عودة نوري السعيد إلى الحكم في العراق عام 1949، صدر قرار بإبعاده فورًا من العراق مع عائلته، ونُزعت عنه الجنسية العراقية التي كان قد اكتسبها خلال أكثر من عشرين عامًا من الإقامة. وقد ارتبط قرار الإبعاد بمقالة نشرها بعنوان «العقل والعاطفة عند نوري السعيد».

عاد حسين مروة في شتاء عام 1949 إلى بيروت، حيث واصل الكتابة الأدبية في زاويته اليومية «مع القافلة» في جريدة الحياة لمدة سبع سنوات متواصلة. كانت الزاوية تحمل هوية يسارية واضحة، وتعبّر عن انحياز صريح لقيم التقدم والعدالة الاجتماعية. ترك العمل في الجريدة عام 1957 غداة مقتل الصحافي نسيب المتني.

تعرّف عام 1950 إلى فرج الله الحلو وأنطون تابت، ثم إلى محمد دكروب. نتج عن هذا التعارف تأسيس مجلة الثقافة الوطنية، وأصبح حسين مروة مديرًا لتحريرها إلى جانب دكروب.

انتظم رسميًا في الحزب الشيوعي اللبناني عام 1951، وانضم عام 1952 إلى قوات أنصار السلم (تجمع الأحزاب الشيوعية العربية لتحرير فلسطين). انتُخب عام 1965 عضوًا في اللجنة المركزية للحزب، ثم عضوًا في المكتب السياسي.

ترأس تحرير مجلة الطريق الثقافية من عام 1966 حتى شباط 1987 (تاريخ اغتياله)، وكان عضوًا في مجلس تحرير مجلة النهج الصادرة عن مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي. كما درّس مادة فلسفة الفكر العربي في الجامعة اللبنانية في بيروت.

حاز شهادة دكتوراه فخرية من موسكو، وشارك في تأسيس اتحاد الكتّاب اللبنانيين عام 1948. نال جائزة لوتس العالمية للأدب (اتحاد كتّاب آسيا وأفريقيا) وجائزة بيروت .

من مؤلفاته:
• الثورة العراقية
• دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي
• تراثنا كيف نعرفه
• من النجف دخل حياتي ماركس
• ولدت شيخًا وأموت طفلًا
• النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية

ويُعدّ هذا الأخير أبرز أعماله وأوسعها أثرًا.

ثانيًا: «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» – النشر والبنية

صدر الكتاب عام 1978 بوصفه عملًا موسوعيًا ضخمًا في جزأين، ثم أُعيد إخراجه لاحقًا في أربعة مجلدات في طبعات دار الفارابي. وهو محاولة منهجية لتطبيق المنهج المادي التاريخي الجدلي على التراث العربي-الإسلامي، في مواجهة المقاربات السلفية واللاتاريخية والاستشراقية التي نزعت عن التراث طابعه التاريخي والدينامي.

يتوزع الكتاب – في بنيته الفكرية لا الطباعية فقط – على محاور كبرى:
1. التأسيس التاريخي المبكر (الجاهلية، الإسلام، الخلافة الراشدة).
2. علم الكلام والفرق وصراعات العقل والنقل.
3. المنطق والترجمة وأدوات المعرفة.
4. الفلسفة (الكندي، الفارابي، ابن سينا) مع أفق معلن لاستكمال الغرب الإسلامي.

ثالثًا: مفهوم «النزعات المادية» في مشروع مروة

لا يستخدم حسين مروة مفهوم “المادية” بوصفه مذهبًا فلسفيًا جاهزًا، بل بوصفه تسمية لنزعات تاريخية داخل التراث تميل إلى:
• ردّ المعرفة إلى الواقع والمحسوس والتجربة والعقل،
• ربط الأفكار بالشروط الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها،
• مقاومة التفسير الغيبي الخالص أو اللا-تاريخي.

بهذا المعنى، تصبح “المادية” عنده أفق قراءة لا عقيدة ميتافيزيقية، وتعمل دائمًا في توتر مع عناصر مثالية ولاهوتية حاضرة في النصوص نفسها.

أداة تحليل تاريخية

يشكّل مفهوم «النزعات المادية» المحور النظري الناظم لمشروع حسين مروة في كتابه النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، وهو مفهوم لا يُستخدم بوصفه توصيفًا لمذهب فلسفي مكتمل أو إسقاطًا مباشرًا للمادية الحديثة على التراث، بل بوصفه أداة تحليل تاريخية تهدف إلى الكشف عن اتجاهات فكرية جزئية ومتفاوتة ظهرت داخل الثقافة العربية–الإسلامية في سياقات اجتماعية وسياسية محددة. فمروة ينطلق من فرضية أساسية مفادها أنّ التراث ليس كيانًا متجانسًا أو منظومة فكرية مغلقة، بل فضاء صراعي تتجاور فيه نزعات عقلانية واقعية مع نزعات مثالية ولاهوتية، وتتنازع فيه رؤى مختلفة للعالم والمعرفة والإنسان.

انطلاقًا من هذا الأفق، يتوزع الكتاب – في بنيته الفكرية لا الطباعية فحسب – على محاور كبرى تعكس مسار تشكّل هذه النزعات وتحوّلاتها التاريخية. يبدأ مروة بالتأسيس المبكر، متوقفًا عند الجاهلية وبدايات الإسلام والخلافة الراشدة، حيث يقرأ تعبيرات وعي الإنسان بالزمن والطبيعة والحياة بوصفها استجابات واقعية لشروط العيش، لا بوصفها مجرد مواقف عقدية. ثم ينتقل إلى علم الكلام والفرق، ليكشف كيف تحوّل الصراع بين العقل والنقل إلى ساحة مركزية لتجاذب النزعات، حيث تمثّل بعض الاتجاهات الكلامية – ولا سيما المعتزلة – محاولات عقلنة الفهم الديني وربط المسؤولية الإنسانية بالفعل التاريخي والاجتماعي.

وفي محور المنطق والترجمة، يركّز مروة على انتقال أدوات المعرفة العقلية إلى الثقافة العربية، معتبرًا أنّ هذا الانتقال لم يكن حدثًا ثقافيًا محايدًا، بل شرطًا معرفيًا مادّيًا أسهم في إعادة تشكيل أنماط التفكير والاستدلال، وفتح أفقًا جديدًا لفهم العالم خارج التفسير الغيبي الخالص. أمّا في محور الفلسفة، فيتوقف عند الكندي والفارابي وابن سينا بوصفهم نماذج لاشتغال العقل الفلسفي داخل توتر دائم بين متطلبات العقل ومنطق العقيدة، حيث لا يهتم مروة بالحلول التوفيقية النهائية بقدر اهتمامه بالفعل العقلي ذاته، بوصفه تعبيرًا عن نزعة تفسيرية عقلانية تعمل ضمن شروطها التاريخية.

بهذا المعنى، تصبح «المادية» عند مروة أفق قراءة نقدي لا عقيدة ميتافيزيقية، ومنهجًا لكشف العلاقة بين الفكر والواقع الاجتماعي والسياسي، لا معيارًا للحكم الإيديولوجي على النصوص. وهي تعمل دائمًا في حالة توتر مع عناصر مثالية ولاهوتية حاضرة داخل النصوص نفسها، ما يجعل التراث مجالًا للحركة والتناقض لا مخزونًا ثابتًا للمعاني. ولا ينفصل هذا المنهج عن الأفق الفكري والسياسي للمشروع برمّته، إذ يسعى مروة إلى إعادة إدخال التراث في سؤال الحاضر، وإبراز الإمكانات العقلانية التي تم تهميشها تاريخيًا، بوصفها موارد فكرية قابلة للتفعيل في معركة العقل والحرية والتقدّم.

عدد من الإشكاليات النقدية

على الرغم من الأهمية المعرفية والمنهجية لمشروع حسين مروة، فإنّ مقاربته لمفهوم «النزعات المادية» تطرح عددًا من الإشكاليات النقدية التي ينبغي التوقف عندها. فأولًا، يقوم المنهج على تتبّع نزعات جزئية داخل نصوص تنتمي في بنيتها العامة إلى أطر لاهوتية أو ميتافيزيقية، ما يعرّض القراءة أحيانًا لخطر تضخيم اللحظات العقلانية على حساب البنية الكلية للنص أو المشروع الفكري لصاحبه. ففي بعض الحالات، قد يبدو أنّ مروة يمنح أهمية مفرطة لشذرات أو مواقف محدودة، بوصفها مؤشرات على نزعة مادية، في حين تبقى الغلبة العامة للنص واقعة ضمن أفق ديني أو مثالي لا يمكن تجاوزه بسهولة.

وثانيًا، يرتبط مشروع مروة بأفق فكري وسياسي واضح، يستند إلى قراءة ماركسية للتاريخ والثقافة، وهو ما يمنح تحليله قوة تفسيرية في ربط الفكر بالبنية الاجتماعية، لكنه في الوقت نفسه يثير سؤال التحيز المنهجي. فاختيار النصوص، وتحديد ما يُعدّ «نزعة تقدمية» أو «عنصرًا عقلانيًا»، قد يتأثر أحيانًا بأفق مسبق يسعى إلى العثور على جذور تاريخية للعقلانية الحديثة داخل التراث، بدل الاكتفاء بوصف هذا التراث في تعدديته وتعقيده.

وثالثًا، يظل مفهوم «النزعات» نفسه مفهومًا إجرائيًا مرنًا إلى حدّ قد يضعف دقته التحليلية. فغياب حدود صارمة فاصلة بين ما يُعدّ نزعة مادية وما يُعدّ مجرد استخدام للعقل داخل إطار لاهوتي، يفتح المجال لتأويلات واسعة قد تختلف باختلاف موقع القارئ ومنطلقاته النظرية. وهذا ما يجعل المشروع غنيًا من جهة، لكنه عرضة للجدل من جهة أخرى، خاصة عند مقارنته بمشاريع تعتمد أدوات أكثر صرامة في التحليل المفهومي أو الإبستمولوجي.

ومع ذلك، فإنّ هذه الملاحظات النقدية لا تنتقص من القيمة المعرفية لمشروع مروة، بل تضعه في إطاره الصحيح بوصفه مشروعًا كشفيًا–نقديًا لا يدّعي الاكتمال، ويسهم في فتح التراث على أسئلة التاريخ والصراع والواقع الاجتماعي. فحدوده المنهجية هي في الوقت نفسه جزء من قوته، إذ تكشف أن التراث ليس موضوعًا محايدًا للبحث، بل حقلًا يتداخل فيه الفكر بالتاريخ، والمعرفة بالسياسة، والقراءة العلمية بالموقف الفكري.

محاولة نقد موضوعية

يمكن تعميق النقد الموجّه إلى مشروع حسين مروة من خلال ربطه صراحةً بالمنطلق الماركسي الذي يؤطر قراءته للتراث. فمروة ينطلق من تصور ماركسي عام يرى الفكر بوصفه انعكاسًا، أو تعبيرًا مركبًا، عن الشروط المادية والاجتماعية والتاريخية، ويعتبر أن الصراع الطبقي والبنيوي يترك أثره، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إنتاج الأفكار وأنماط التفكير. هذا المنطلق يمنح مشروعه قوة تفسيرية واضحة، إذ يسمح بتجاوز القراءة المثالية أو اللا-تاريخية للتراث، وإعادة إدخال النصوص في شبكة علاقات الواقع الاجتماعي والسياسي.

غير أنّ هذا الإطار الماركسي نفسه يطرح إشكالية منهجية، تتمثل في خطر تغليب منطق الكشف الإيديولوجي على الوصف التاريخي المتوازن. ففي سعيه إلى تتبّع النزعات المادية داخل التراث، قد يبدو مروة أحيانًا وكأنه يقرأ النصوص بحثًا عن “شواهد” تؤكد الفرضية المسبقة القائلة بوجود تيار عقلاني–مادي مضمر، بدل أن يترك النصوص تفرض حدودها الخاصة. وهنا يبرز توتر كلاسيكي في القراءة الماركسية للثقافة: بين اعتبار الفكر نتاجًا مشروطًا بالبنية المادية، وبين احترام استقلاليته النسبية وتعقيده الداخلي.

كما أنّ اعتماد مفهوم «النزعات» يتقاطع مع الماركسية بوصفها منهجًا تاريخيًا جدليًا، لا نسقًا مغلقًا، لكنه في الوقت نفسه يعكس مرونتها الإشكالية. فغياب تعريف صارم للنزعة المادية يسمح بقراءة غنية ومفتوحة، لكنه يجعل التحليل عرضة للتوسيع المفرط، حيث يمكن إدراج مواقف عقلانية أو تجريبية محدودة ضمن أفق مادي عام، حتى وإن ظل الإطار النظري للنص لاهوتيًا أو ميتافيزيقيًا في جوهره. وهذا يعكس توترًا ماركسيًا معروفًا بين تحليل البنى العميقة والاعتراف بالتعدد والتداخل داخل الظواهر الثقافية.

من هذه الزاوية، لا يمكن فهم حدود مشروع مروة إلا بوصفها حدود القراءة الماركسية نفسها حين تُطبّق على تراث ديني وفلسفي معقّد، لا يخضع بسهولة لمنطق الانعكاس المباشر بين البنية المادية والفكر. ومع ذلك، فإنّ هذا لا يقلّل من القيمة النقدية للمشروع، بل يبرز مساهمته الأساسية: تحويل الماركسية من أداة تفسير اقتصادي ضيق إلى منهج نقد ثقافي تاريخي قادر على مساءلة التراث، لا اختزاله. وبذلك، يصبح مشروع مروة مثالًا على إمكانات القراءة الماركسية وحدودها في آنٍ معًا، لا تطبيقًا دوغمائيًا لها.

رابعًا: الاغتيال – الوقائع وشهادة الابنة

اغتيل حسين مروة في منزله في بيروت في 17 شباط 1987.

شهادة هناء مروة (بوصفها وثيقة تاريخية)

«أمامي الآن، وأنا أكتب هذه الكلمات بحرقة في القلب… أمامي صورة شهيد يوحي لي أنني أمام فسحة أفق من ماضٍ وحاضرٍ وآتٍ معًا… وأنني أمام قامة من كبار المثقفين الذين كتبوا في الأدب وتاريخ الأدب العربيين والصحافة اليومية اللبنانية، وترك آثارًا أدبية وفكرية وفلسفية لا تُحصى… أعني به المفكر اللبناني الأصيل حسين مروة (والدي)…

إنني أمام قامة فكرية كبيرة نُفذت بحقها جريمة اغتيال بشعة، بواسطة أيادٍ مجرمة…

في الذكرى التاسعة والثلاثين لاستشهاده، حين طالته الجريمة باغتياله من قبل مجرمين اثنين بمسدس كاتم للصوت في غرفة نومه، وأمام زوجته، بعد إيقاظه من قيلولته بحجة إبلاغه خبرًا ما، ثم دفعاه إلى صدرها بكل صفاقة، وانسحبا بهدوء…

كنا قبل ساعتين معًا في بيته، تناولنا طعام الغداء، وانصرفنا تاركين له قيلولته. واتفقنا على متابعة العمل بعد أن يستيقظ، إذ كان يملي عليّ توسيع رؤوس أقلام مسجلة عنده على قصاصات ورق، تحضيرًا لكتابة الجزء الثالث من موسوعته “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية”، وكان موضوعها إلقاء الضوء على المرحلة العربية الإسلامية في المغرب العربي…

أيقظه القاتل، أمسك يده “بحَنان”، أنزله من سريره، طلب من الوالدة الخروج، لكنها رفضت. ثم أطلق النار على أذنه اليسرى لتخرج الرصاصة من الجبين… وقال لها بصفاقة: “استلقي”…

والباقي أتركه للزمن.»

كتب وليد دكروب حفيد الشهيد حسين مروة (ردا على مقابلة لـ الياس عطاالله):

كتير عم بضبط نفسي بالفترة الأخيرة. بكل شي. وهالمرة كنت ناوي أضبط نفسي وما إنزل لمستوى للي رح إنزلّه هلّق… بس معليه، اعذريني يا نفسي: ما قدرت إبلع مقابلة خرندعية طولها ساعتين مع مسؤول سابق، قال، بالحزب الشيوعي، والمسؤول، قال، عن ملف جبهة المقـ|ومة الوطنية اللبنانية.

هيدي الجبهة للي ضمّت شرفاء: منهم استشهدوا، منهم ماتوا، ومنهم ما زالوا أحياء ولم يبدّلوا تبديلاً… متل ما الرفيق السابق، قال، بدّل مية تبديلا متل الحرباية، وباع ملفاته الأمنية لجهات كافأته بشقفة مقعد نيابي سنة 2005.

ما قدرت إبلعها لأنو ما تحملت شوف واسمَع استياء أمي—بنت الشهيد حسين مروة—وامتعاضها الشديد اللهجة من الموضوع.

هيدا المسؤول، قال، يللي قعد يطهوج ساعتين بعد ما كان قارطله شي ليترين ويسكي قبل الهوا سوا، تقيّأ بمجموعة من الأكاذيب والخرافات والتخيّلات، أبطالها ناس بطّلوا على قيد الحياة—بالمقارنة معه—لحتى ما يكذبوه ويبصقوا عالجريدة والشاشة يللي بقّتله (من بقَّ، يبِقُّ، فهو باقق) المقابلة.

هيدا المسؤول، قال، نسي الإسم الأول للشهيد المفكر حسين مروة، وادّعى كذباً إنو زاره قبل يومين من اغتياله. والحقيقة إنو قبل يومين من الاغتيال مدري بأيا وكر كان لاطي. لأ، وما اكتفى بهالهشته، لا بل أضاف إنو الشهيد مروة كان عمره بلحظتها 87 سنة، وكان مقعد ولا يتكلّم وكان شبه ميت—قال—متل ضمير المسؤول نفسه.

والحقيقة إنو شبه الميت كان عم يعمل مقابلة من يومين ونازل فيها هشت وطهوجة، لدرجة إنو اضطرّ المخرج يترجم له كلامه للعربي على الشاشة تا نفهم عليه شو عم يتقيّأ عالهوا… أو بالهوا.

الشهيد حسين مروة بلحظة اغتياله كان واقف عإجريه متل الرمح، وكان بعمر 78 سنة، مش 87 (يبدو الويسكي ما تركتله ذاكرة يميّز بين عمر المفكر الشهيد والسنة يللي تم اغتياله فيها). وكان بكامل وعيه وصحته وفكره النيّر. وكان عم يتحضّر بعد قيلولة الغدا—يللي المسلحين دخلوا عليه بآخرها—وكان قايم من سريره الطاهر، وأطلقوا رصاصة وحيدة براسه، وتركوه يوقع بين إيدين زوجته… جدتي أم نزار الطاهرة المفجوعة.

إذاً، كان عم يتحضّر للبدء بكتابة الجزء الثالث من موسوعته الفكرية الخالدة، يللي ما كانت عن القرآن الكريم متل ما خبّص الرفيق السابق، بل كانت عن النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية… يللي عم تتهافت بعض دور النشر الماركسية العالمية على ترجمتها للإنكليزي بعد ما يقارب أربعين سنة من اغتياله.

عم بحكي هالكلام بصفتي حفيد المفكر الشهيد، وبصفتي شاهد على الأشهر الأخيرة من حياته، لأنو كنا ساكنين بنفس البناية، وكنا عم نقضي آخر كم يوم سوا بظل المعارك ببيروت وتسكير المدارس.

فليخرس المسؤول السابق قبل أن يتلفّظ بأسماء ناس شرفاء مقاومين بالفكر والسلاح والكلمة.

المجد والخلود للشهيد المفكر الشيخ حسين مروة، ولكل شهداء الفكر والكلمة الحرة، وشهداء المقـ|ومة ضد الاختلال…

انتهى…

ملاحظة: رح إمحي هالمنشور بعد 24 ساعة أو أقل، لأنو ما بدي كون عم روّج للمقابلة الخرندعية، ولا رح أذكر اسم الشخص المسؤول—قال.
ملاحظة تانية: ما رح إمحي شي.

خامسًا: الاستقبال الثقافي – نعي مهدي عامل

يكتسب نعي مهدي عامل لحسين مروة أهمية خاصة، لا بوصفه رثاءً شخصيًا، بل بوصفه وثيقة تكشف موقع مروة في الوعي الفكري اليساري:

«ألهذا قتلوك؟
لأنك الرمز…
لأنك قلت إن الفلسفة العربية الإسلامية ليست واحدة بل متناقضة…
لأنك رأيت الصراع المستديم بين قوى القهر وقوى الحرية، بين العقل والجهل…
ألهذا قتلوك؟»

هذا النص يضع الاغتيال في سياق الصراع على معنى التراث، لا فقط في سياق العنف السياسي.

سادسًا: القراءة النقدية الموسَّعة للنزعات مع أمثلة

  1. مكاسب المشروع
    • تاريخنة التراث: نقل النصوص من مقام الثبات إلى مقام التحول والصراع.
    • تحويل القضايا العقدية إلى مشكلات تاريخية (القضاء والقدر، الحرية والجبر).
    • إدخال أدوات المعرفة (المنطق، الترجمة) في صلب تحليل السلطة.
    • تفكيك القراءتين السلفية والاستشراقية معًا.
  2. الإشكالات المنهجية مع أمثلة

اتساع مفهوم المادية
حين تشمل “المادية” العقلانية والنزعة إلى المحسوس، يضعف التمييز الاصطلاحي بين المذهب الفلسفي والميل الواقعي.

الثنائية المعيارية (مادي/مثالي)
قد يتحول التقابل التحليلي إلى حكم قيمي مسبق، رغم تعقيد النصوص.

الاختزال الطبقي
ربط الدعوة الإسلامية المبكرة بالبنية الطبقية في مكة يضيء جانبًا مهمًا، لكنه لا يفسّر وحده البنية الرمزية والدينية للنص.

الانتقائية النصية
استخراج “نزعات” يحمل خطر تفضيل الشواهد المؤيدة للفرضية.

اختزال الفلسفي إلى الاجتماعي
قراءة مفاهيم الوجود والعقل بوصفها انعكاسًا اجتماعيًا قد تهمّش منطقها الداخلي.

تداخل المهمة السياسية
ربط الموقف من التراث بالموقف من التحرر الوطني يمنح المشروع حيوية، لكنه يفرض معيارية سياسية على قراءة الماضي.

سابعًا: المقارنة مع طيب تيزيني ومحمد عابد الجابري وربطها بمشروع حسين مروة

1) حسين مروة وطيب تيزيني: التاريخنة بين الحفر والبناء

يشترك حسين مروة وطيب تيزيني في اعتماد التاريخنة مدخلًا رئيسًا لقراءة التراث، أي التعامل مع النصوص بوصفها نتاجًا لشروطها الاجتماعية والسياسية والتاريخية، لا كمعطيات ثابتة أو معزولة. غير أنّ هذا الاشتراك لا يلغي اختلافًا جوهريًا في طريقة الاشتغال وأفق المشروع.

يعتمد مروة منهج الحفر الموسوعي داخل متون محددة (فلسفية، كلامية، فقهية، وأدبية)، حيث يتتبع ما يسميه صراع النزعات داخل النص الواحد أو داخل تيارات بعينها: نزعة عقلانية/مادية في مواجهة نزعات مثالية/غيبية، مع ربط هذه النزعات بسياقاتها الاجتماعية والسياسية. لذلك تبدو قراءته أقرب إلى “تفكيك الداخل النصي” بحثًا عن إمكانات مضمَرة، وعن تيارات جرى تهميشها أو تحييدها داخل تاريخ الثقافة.

في المقابل، يعمل تيزيني على مستوى البناء التركيبي؛ فهو يسعى إلى تقديم سردية تاريخية فلسفية شاملة لمسار الفكر العربي عبر الحقب، مركزًا على التحولات الكبرى والقطائع والاستمرارات. لا يقف طويلًا عند الحفر النصي التفصيلي كما يفعل مروة، بل يضع النصوص ضمن “خريطة” تطور تاريخي واسع. وبذلك يمكن القول إن مروة يشتغل “من داخل النصوص إلى شروطها”، بينما يشتغل تيزيني “من مسار التاريخ إلى موقع النصوص فيه”.

2) حسين مروة ومحمد عابد الجابري: الصراع الاجتماعي أم بنية العقل

تُظهر المقارنة بين مروة ومحمد عابد الجابري اختلافًا أعمق يتعلق بالسؤال المؤسس نفسه.

ينطلق مروة من فرضية أن التراث ليس “مخزونًا روحيًا” محضًا، بل هو أيضًا ساحة صراع اجتماعي وسياسي تظهر فيها مصالح وقوى وتناقضات. لذلك يقرأ النصوص من زاوية علاقتها ببنى السلطة وبالمواقع الاجتماعية، ويبحث عن عناصر عقلانية ومادية حتى داخل نصوص دينية أو ميتافيزيقية، معتبرًا أن الأفكار تتجسد تاريخيًا بوصفها جزءًا من صراع واقعي لا مجرد لعبة مفاهيم.

أما الجابري، فينطلق من سؤال بنية العقل العربي وأنظمة إنتاج المعرفة. اهتمامه يتركز على تحليل الآليات المعرفية التي حكمت التفكير العربي (البيان، العرفان، البرهان) وكيف صنعت أنماطًا معينة من الاستدلال وحددت إمكانات العقل وحدوده. وبذلك يتعامل مع التراث بوصفه منظومة إبستمولوجية تتطلب تفكيك البنية، أكثر من تتبع الصراع الاجتماعي المباشر داخل النص.

3) أين يتموضع مشروع حسين مروة داخل هذه المقارنة؟

تتضح خصوصية مروة عند وصل المقارنة بمشروعه المركزي: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية. فهذا المشروع لا يهدف إلى كتابة تاريخ شامل للفكر العربي على طريقة تيزيني، ولا إلى تشخيص البنية المعرفية للعقل العربي على طريقة الجابري، بل يسعى إلى هدف محدد: إعادة اكتشاف إمكانات عقلانية ومادية داخل التراث نفسه، كانت حاضرة كتيارات أو “نزعات” ثم جرى تهميشها أو قمعها تاريخيًا.

من هنا، يصبح منهج مروة (الحفر داخل المتون) ضرورة يفرضها سؤال المشروع: فالكشف عن “نزعات” لا يظهر عبر السرديات الكبرى وحدها، ولا عبر التصنيفات الإبستمولوجية العامة وحدها، بل عبر قراءة تفصيلية تكشف التوترات الداخلية للنصوص وتربطها بسياقات السلطة والمجتمع. لذلك يفضّل مروة تتبع “العلامات الدقيقة” داخل النصوص: المفاهيم، الاستدلالات، الانعطافات، والمواقف التي تُظهر أن التراث لم يكن كتلة واحدة، بل فضاءً للصراع بين اتجاهات متنافسة.

كما أنّ مشروع مروة ليس تمرينًا أكاديميًا خالصًا، بل يحمل أفقًا نقديًا واضحًا: فهو يحاول وصل التراث بأسئلة الحاضر عبر إبراز العناصر التي يمكن أن تُسند مشروعًا تحرريًا حديثًا (العقل، النقد، الواقعية، التاريخية)، بدل التعامل مع التراث بوصفه مرجعية مغلقة أو قداسة فوق التاريخ. بهذا المعنى، لا يسأل مروة فقط: “كيف تطور الفكر؟” أو “كيف اشتغل العقل؟” بل يسأل أساسًا: أيُّ أفكار تم تفضيلها ولماذا؟ وأيُّ أفكار أُقصيت ولماذا؟ ولصالح من جرى ذلك تاريخيًا؟

خلاصة منهجية

الاختلاف هنا ليس في “القيمة”، بل في نوع السؤال المنهجي

و يمكن قراءة هذه المشاريع بوصفها متجاورة أكثر مما هي متعارضة: مروة يغوص في الأعماق النصية بحثًا عن إمكانات مهدورة، تيزيني يرسم الأفق التاريخي العام، والجابري يفكك البنية المعرفية التي حكمت اشتغال العقل. لكن يبقى مشروع مروة متميزًا بكونه مشروعًا “استكشافيًا–نقديًا” هدفه استخراج تاريخ مضمر داخل التراث وإعادة إدخاله في سؤال الحداثة والتحرر.

التكامل بين المشاريع الثلاثة

لا يمكن فهم مشاريع حسين مروة وطيب تيزيني ومحمد عابد الجابري بوصفها مشاريع متنافسة أو متعارضة، بل بوصفها مقاربات متكاملة لقراءة التراث العربي–الإسلامي، يضيء كلٌّ منها مستوى مختلفًا من مستويات التحليل.

يقدّم حسين مروة قراءة تشتغل على المستوى الداخلي الصراعي للنصوص، حيث يكشف عن التوترات والنزاعات الفكرية المرتبطة ببنى اجتماعية وسياسية محددة. مشروعه يسمح بفهم التراث بوصفه فضاءً غير متجانس، تتصارع داخله نزعات عقلانية ومادية مع نزعات غيبية ومثالية، ما يحرّر التراث من وهم الانسجام والاكتمال.

في المقابل، يوفّر طيب تيزيني الإطار التاريخي التركيبي الذي يضع هذه النزاعات النصية ضمن مسار تطور طويل الأمد للفكر العربي. فالسردية التي يبنيها لا تلغي التفاصيل التي يشتغل عليها مروة، بل تمنحها موقعها داخل حركة التاريخ والتحولات الاجتماعية الكبرى، وتساعد على فهم لماذا ظهرت بعض النزعات في لحظات معينة وتراجعت في لحظات أخرى.

أما محمد عابد الجابري، فيضيف مستوى ثالثًا من التحليل يتمثل في تفكيك البنية المعرفية التي حكمت اشتغال العقل العربي، أي الأدوات والمناهج وأنماط الاستدلال التي جعلت بعض أشكال التفكير ممكنة وأخرى متعذرة. بهذا المعنى، يفسّر الجابري الشروط الإبستمولوجية التي سمحت لنزعات معينة (التي يكتشفها مروة) أن تزدهر أو أن تُهمَّش ضمن المسار التاريخي الذي يرسمه تيزيني.

وعليه، يمكن النظر إلى هذه المشاريع بوصفها تعمل على ثلاثة مستويات متكاملة:

  • مروة يشتغل على مستوى الصراع داخل النص،
  • تيزيني على مستوى الحركة التاريخية الشاملة،
  • الجابري على مستوى البنية المعرفية للعقل.

هذا التكامل يسمح بقراءة مركّبة للتراث: قراءة ترى النص في صراعاته الداخلية، وتضعه في سياقه التاريخي، وتفهمه ضمن شروطه المعرفية. ومن خلال هذا التفاعل بين المشاريع الثلاثة، يتحول التراث من مادة جامدة إلى حقل مفتوح للتحليل النقدي، وقابل لإعادة التوظيف الفكري في أسئلة الحاضر والحداثة والتحرر.

اصل سبب اغتيال المفكرين حسين مروة ومهدي عامل

أهمية حسين مروة من موقعه الفكري

تنبع أهمية حسين مروة من كونه أحد أبرز من نقل القراءة الماركسية إلى حقل التراث العربي–الإسلامي نقلاً منهجيًا معمقًا، لا على مستوى الشعارات أو المواقف الإيديولوجية، بل على مستوى الاشتغال النصي التاريخي الدقيق. في مشروعه المركزي النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، أعاد مروة طرح سؤال التراث بوصفه حقل صراع فكري وتاريخي، لا منظومة منسجمة أو تراثًا مقدسًا خارج التاريخ.

تكمن مساهمته الأساسية في أنه فكّك الصورة السكونية للتراث، كاشفًا عن تيارات عقلانية ومادية كامنة داخل متونه الفلسفية والكلامية والأدبية، وربط هذه التيارات بشروطها الاجتماعية والسياسية. لم يسعَ مروة إلى “تحديث” التراث أو أسلمته أو قطيعته، بل إلى تاريخنته، أي إخضاعه لمنهج يرى الأفكار نتاجًا لصراعات واقعية، لا معطيات فوق تاريخية. وبهذا، أسّس لنمط من القراءة النقدية يجعل التراث قابلًا للمساءلة العقلانية وللتوظيف في أسئلة التقدم والحداثة والتحرر، من دون الوقوع في اختزال إيديولوجي مباشر.

أهمية حسن حمدان (مهدي عامل) من موقعه الفكري

أما حسن حمدان، المعروف باسم مهدي عامل، فتنبع أهميته من كونه أحد أبرز منظّري الماركسية العربية المعاصرة في تحليل الدولة والمجتمع والتخلف والاستعمار. بخلاف مروة، لم يشتغل مهدي عامل على التراث بوصفه مادة نصية تاريخية، بل انصبّ اهتمامه على تحليل البنى الاجتماعية والسياسية المعاصرة في العالم العربي، ولا سيما في لبنان.

في كتبه مثل مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني والدولة الطائفية وأزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية، طوّر مهدي عامل مفهومًا صارمًا للتخلف بوصفه بنية تاريخية مرتبطة بنمط الإنتاج الرأسمالي التابع، لا مرحلة متأخرة من تطور طبيعي. كما قدّم تحليلًا جذريًا للطائفية، لا بوصفها ظاهرة ثقافية أو ذهنية، بل كـ آلية بنيوية لإعادة إنتاج السلطة الطبقية داخل دولة ما بعد الاستعمار.

تكمن أهمية مهدي عامل في صرامة أدواته المفهومية وتمسكه بالتحليل البنيوي، وفي رفضه لأي قراءة ثقافوية أو نفسية للتخلف. لقد شدّد على استقلالية النظرية الماركسية، وعلى ضرورة بنائها علميًا في مواجهة التوفيق أو التبسيط، ما جعله من أكثر المفكرين العرب دقةً ووضوحًا في الدفاع عن الماركسية بوصفها علمًا اجتماعيًا نقديًا.

تكامل الموقعين واختلاف الوظيفة الفكرية

رغم انتمائهما إلى أفق ماركسي مشترك، يشتغل حسين مروة وحسن حمدان على مستويين مختلفين ومتكاملين:

  • مروة يشتغل على المستوى الثقافي–التراثي، كاشفًا الجذور التاريخية للصراع الفكري داخل الثقافة العربية، ومحرّرًا التراث من القراءة اللا-تاريخية.
  • مهدي عامل يشتغل على المستوى البنيوي–السياسي المعاصر، محلّلًا الدولة والطائفية والتخلف بوصفها بنيات مادية تاريخية.

وبذلك، يمكن القول إن مروة يفتح سؤال كيف تشكّل الفكر تاريخيًا، بينما يجيب مهدي عامل عن سؤال كيف تُعاد إنتاج الهيمنة في الحاضر. الأول يوسّع أفق القراءة التاريخية للثقافة، والثاني يشدّد على الصرامة النظرية في تحليل الواقع. ومن خلال هذا الاختلاف، تتحدد أهميتهما بوصفهما ركنين أساسيين في مشروع نقدي عربي حديث، جمع بين مساءلة التراث وتحليل الواقع، وبين التاريخ والفعل السياسي.

لم يكن حسين مروة مجرد مفكر اغتيل، بل مشروع قراءة قُطع جسديًا وبقي معرفيًا. و«النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» ليس كتابًا منتهيًا، بل ورشة مفتوحة، أوقفها الرصاص ولم يُنهِ أسئلتها. ولذلك يظل مروة حاضرًا في كل محاولة جادة لقراءة التراث بوصفه تاريخًا للصراع، لا متحفًا للقداسة ولا مادةً للاستهلاك الأيديولوجي.

لم يكن اغتيال حسين مروة ورفيقه مهدي عامل حدثًا عابرًا ولا صدفة تاريخية، بل كان فعلًا مقصودًا استهدف إسكات عقلٍ نقديٍّ حاول زعزعة السكون الفكري السائد. فالذين اغتالوهما أدركوا أن الخطر لا يكمن في السلاح بقدر ما يكمن في الفكرة؛ فكرة قراءة الفلسفة الإسلامية قراءة مختلفة، لا تقوم على التسليم الحرفي بالنص، بل على البحث العلمي والمنهجي في بنيته المادية وتاريخه وسياقه الاجتماعي. لقد سعى حسين مروة إلى استخراج البعد العقلاني والمادي الكامن في التراث، بينما مثّل مهدي عامل، الفيلسوف والمفكر، مشروعًا نقديًا يربط الفكر بالواقع ويكشف آليات الهيمنة والتخلف. ولم يتوقف الأمر عند الاغتيال نفسه، إذ حاولت أطراف لاحقًا تسخيف الجريمة وتفريغها من معناها عبر ربطها طورًا بسرديات مبهمة، أو بإلقاء التهمة هنا وهناك بما يؤدي إلى تجهيل القوى المنفذة وطمس السياق السياسي للجريمة. ومع ذلك، لا يمكن نفي الطابع السياسي للاغتيال، ولا تبرئة أي جهة كانت لها مصلحة في إسكات هذا النوع من التفكير، سواء النظام السوري البائد، أو إيران، أو أعوانهما، في مناخ إقليمي قائم على قمع العقل النقدي. فحسين مروة ومهدي عامل، بوصفهما مفكرين شيعيين، شكّلا بداية حالة تحرّر داخل الطائفة الشيعية من الهيمنة والوصاية، وانتقالًا نحو الوعي واستخدام العقل بدل الخضوع والجمود. ومن هنا يصبح اغتيالهما قرارًا واعيًا يهدف إلى منع تشكّل قيادة فكرية وسياسية فاعلة داخل حزب شيوعي قادر على إنتاج قيادات جديدة تشبههما، قيادات تناقش بالعقل والوعي، وتنتقد الجمود بدل أن ترسّخه.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

أربيل تستضيف فعالية حول مبادرة الحضارة العالمية وتعزيز الحوار بين الصين وإقليم كردستان!

أخباركم - أخبارنا تستضيف مدينة أربيل فعالية فكرية وثقافية مخصصة لمناقشة مبادرة الحضارة العالمية...

لسنا هامشاً في اتفاق ترامب وإيران: المعارضة الكوردستانية بين معضلة اللحظة وواجب التحرر الوطني

أخباركم - أخبارنا الكاتب: مسعود محمد ليست معضلة المعارضة الكوردستانية اليوم في أن تسأل نفسها:...

جيفارا… حين يصير الثائر وطنًا للفقراء ووصيةً للمستقبل!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ارتبطتُ بسيرة تشي جيفارا لا بوصفها حكاية ثائر بعيد...

من يملك القمم يرسم الحدود: إسرائيل وحرب السيطرة على جبال سوريا ولبنان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كتب الإعلامي حسام عيتاني عبر صفحته للتواصل الإجتماعي فيسبوك...

More like this

لسنا هامشاً في اتفاق ترامب وإيران: المعارضة الكوردستانية بين معضلة اللحظة وواجب التحرر الوطني

أخباركم - أخبارنا الكاتب: مسعود محمد ليست معضلة المعارضة الكوردستانية اليوم في أن تسأل نفسها:...

مأزق السلاح الإيراني في لبنان!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم شهد لبنان، منذ هزيمة حزيران عام 1967، تعاقب عدة...

غسّان الرفاعي و«اليسار الحقيقي واليسار المغامر»: سجال المرحلة لا سجال الأشخاص!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يستمر الرفيق محمد الصعيدي، بكرمٍ لا ينقطع، في مدّي...