أخباركم – أخبارنا
حسين قاسم
توحّدت الأطياف السياسية اللبنانية جميعها، وصولًا إلى قوى التغيير واليسار، التي التقت مع القوى الفاسدة وأطراف السلطة الحاكمة التي حكمت البلد لعقود خلت، والتي قادت البلاد إلى أكبر منهبة في التاريخ. تلك العصابة، صاحبة الهندسات المالية والرشاوى وفرض الضرائب العشوائية، والتي حمت السلاح غير الشرعي، وفي ظلّه جرى تحويل لبنان إلى محمية لتصنيع الموبقات والاتجار بها، ناهيك عن ترميد العاصمة بانفجار العصر، فضلاً عن الأزمة المالية، المنهبة المنظّمة التي تواطأ الجميع فيها. لقد حوّلوا الجمهورية إلى واحدة من أكثر جمهوريات العالم فساداً في التاريخ المعاصر، عدا عن الحرب التي وُضع لبنان في خضمّها، وهي الأخطر على الإطلاق.
بعد تلك التطورات، جاء القاضي نواف سلام من خارج الاصطفاف السياسي ليتولّى رئاسة السلطة التنفيذية، وهو الغريب الوحيد عن تقاليدها الوسخة والمرعبة. عرفهم مكتشفًا تآمرهم، ومتفهّماً وقاحتهم وخبثهم، فيما تفاجأوا هم بأناته وصبره. هو القاضي الذي يدرك أن العدالة كالسوس الذي ينخر في عود الخشب؛ قد يتأخر، لكنه يصل. يخطئ ويصيب.
غير أن أيّ مراقب يدرك أن أطراف المنظومة الحاكمة لن تتخلى بسهولة عن دورها ولا عن نفوذها، فحاصرته من كل حدب وصوب، عبر مواقع داخل السلطة وخارجها، مستخدمةً مراكز القوى المختلفة في الدولة، وأبرزها استغلال المجلس النيابي وحصر دوره بعرقلة خطوات الحكومة.
أما في ما يتعلّق بالزيادة الأخيرة، فلنكن صريحين: لا أحد يستحقها سوى الجيش والقوى الأمنية (مع وجوب إجراء إصلاحات داخلها لإلغاء الامتيازات والتنفيعات)، إضافة إلى القضاء والأساتذة على مختلف مستوياتهم، مع ضرورة فصلهم عن باقي موظفي القطاع العام الذي ينخره الفساد والرشوة، وتجنّب تكرار الخطأ نفسه الذي ارتُكب عند إقرار سلسلة الرتب والرواتب سابقاً، والتي ساهم إقرارها بجزء وافر في تفاقم الأزمة المالية.
لبنان، الذي لم يخرج من الحرب الأهلية بإقرار اتفاق الطائف، بل رُبط بإحكام بأزمة الشرق الأوسط، تحوّل إلى ساحة بعدما اتُّفق أن يصير وطنًا، وتوالت عليه النكبات، ليُحمَّل مجدداً وزر الأزمات كلّها. ورغم أهمية وخطورة كل أزمة على حدة، فإن الخيط الذي ربطها جميعًا كان الانتقاص الهائل من سيادة الدولة ومن قرارها المستقل، وهو ما حال دون تحقيق أي مشروع، بصرف النظر عمّا إذا كان صائبًا أم لا.
وأكبر مثال على ذلك اليوم أن الدولة، بمؤسساتها كافة، تعلن أن قرار الحرب والسلم بات حصرًا بيدها، فيخرج في اليوم التالي زعيم حزب مسلح ليعلن أنه سيقاتل نصرةً لدولة أجنبية، مضيفاً بفجاجة موصوفة، ومحمّلًا الدولة مسؤولية حمايته وإعادة إعمار ما اقترفته يداه من حرب لا علاقة للبنان وشعبه بها. لذلك، لا يمكن لعاقل أن يحقق إصلاحاً أو نمواً أو عدالة في ظل هذا المناخ. وفي الوقت نفسه، لا تستطيع الدولة فرض هيبتها بالقوة العسكرية البحتة، بل بمواكبة ما يجري تباعاً في الإقليم. والصراحة تقتضي القول إن أطراف الإقليم، التي تكاتفت جميعها على جعل لبنان ملعبًا لها، مطالَبة بإعادته وطنًا معافى لدولة حرّة، كي تُحاسَب تباعًا.
وبوحي الشعبوية، اندفعت قوى مختلفة إلى معارضة الحكومة ورئيسها من دون تقديم بدائل ملموسة، فبدت تلك المعارضات كأنها معارضة للمعارضة، وإن اختلفت منطلقات كل جهة. وغابت لغة العقل، ومعها القدرة على تحديد أين تكمن القضية الرئيسية راهنًا.
إن الحياد الإيجابي للبنان، وحصر السلاح وقراري الحرب والسلم بالدولة اللبنانية وحدها لا شريك لها، هو المدخل إلى الاستقرار والإصلاح والعدالة والنمو والتطور.



