أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
مع بزوغ فجر هذا اليوم، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما انطلقت العمليات العسكرية الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران في مشهد بدا لكثيرين أنه لم يعد مجرد ردع محدود، بل تحوّل إلى مواجهة مفتوحة تحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز الميدان العسكري. الساعات الأولى من الحرب كشفت بوضوح أن الهدف لا يقتصر على ضرب منشآت أو تحييد قدرات، بل يتصل بإعادة رسم قواعد الاشتباك في الإقليم، وربما إعادة صياغة موازين القوى داخله.
منذ اللحظة الأولى، ظهرت ملامح المعركة بوصفها حملة مُعلنة الأهداف لا تكتفي بـ«الضرب» بل تسعى إلى «التغيير». إسرائيل أطلقت على العملية اسم «زئير الأسد»، فيما تداولت مصادر أميركية تسميات موازية للحملة، ما عكس حجم التنسيق وتعدد غرف القيادة.
وفي قلب هذا الإعلان، جاء تصريح رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال إيال زامير ليضع إطارًا سياسيًا–عسكريًا لما يجري: معركة «مصيرية وغير مسبوقة» هدفها تدمير «إمكانيات النظام الإيراني» التي اعتبرها تهديدًا وجوديًا متواصلًا لأمن إسرائيل، مع التأكيد أن الجيش في «درجة استعداد عالية دفاعًا وهجومًا»، وأن طياري سلاح الجو يهاجمون «مئات الأهداف» داخل إيران بالتوازي مع الغارات الأميركية. الأهم في التصريح أنه لم يقدّم العملية بوصفها جولة محدودة، بل حربًا تُختبر فيها الجبهة الداخلية أيضًا، إذ شدد على أن الحماية «ليست مطلقة»، ودعا الإسرائيليين للالتزام بتعليمات الجبهة الداخلية لأن ذلك «ينقذ الأرواح»، محذرًا من «محنة صعبة» في الفترة المقبلة.
ولم يتوقف زامير عند توصيف اللحظة الراهنة، بل ربطها بسلسلة عمليات سابقة، مشيرًا إلى «الأسد الصاعد» في يونيو، وإلى التعاون غير المسبوق مع الجيش الأميركي، وصولًا إلى «MIDNIGHT HAMMER» التي استهدفت منشآت نووية إيرانية. هذا الربط يمنح الحرب معنى “الاستمرارية”: ليست ضربة وحيدة، بل مسار متدرج لتفكيك عناصر القوة الإيرانية—نوويًا، وصاروخيًا، وشبكيًا عبر الأذرع.
على الضفة الأميركية، يلتقي هذا المسار مع ما بات يُفهم على أنه سقف سياسي مرتفع وضعه الرئيس دونالد ترامب: «صفر نووي»، ليس فقط عسكريًا بل حتى تحت عنوان «سلمي»، وتحجيم البرنامج الصاروخي بحيث لا يتجاوز مدى 300 كيلومتر، والتخلي عن الأذرع والعودة إلى داخل الحدود الإيرانية والتخلي عن العقلية التوسعية والدخول في «شرق أوسط جديد». وفي نظر أصحاب هذا الطرح، لم تفهم إيران أنها أمام قيادة لا تراهن على الوقت ولا على تدوير الزوايا، فكانت النتيجة انتقالًا من التهديد إلى التنفيذ.
ومن بين أولى النتائج الميدانية والسياسية للحملة، سقط عدد من قيادات النظام الإيراني في مواقع عسكرية/أمنية عليا وفق ما أوردته تغطيات متقاطعة عن استهداف مواقع مرتبطة بالقيادة ومراكز القرار، في محاولة لخلخلة منظومة القيادة والسيطرة وإحداث صدمة داخل البنية الصلبة للنظام.
لبنان: الاستنكار بدل الانخراط
في لبنان، اكتفى حزب الله ببيان استنكار، دون انتقال إلى الاشتباك المباشر. هذا الموقف يعكس واقعًا جديدًا: إسرائيل—بحسب القراءة السائدة—استنزفت قدراته وقيّدت هامش حركته، وأصبح الانخراط مكلفًا داخليًا ووطنيًا. هنا برز دور رئيس مجلس النواب نبيه بري في «لجم» الحزب والسعي لتحييد لبنان عن الحرب، وهي جهود ظهرت ملامحها في الساعات الأولى للتصعيد، بالتوازي مع مواقف حكومية لافتة هدفت إلى منع انزلاق البلاد إلى مواجهة شاملة.
العراق: محاولة ضبط الفصائل
في العراق، لعبت القيادات دورًا مهمًا في محاولة ضبط الفصائل القريبة من إيران ومنع انزلاق البلاد إلى جبهة إضافية، إدراكًا لحساسية الوضع الداخلي وخطورة تحوّل العراق إلى ساحة مفتوحة في حرب إقليمية تتسع.
الخليج: الاستهداف يعيد الاصطفاف
بالمقابل، استهداف إيران لدول الخليج أعاد تلك الدول إلى «رشدها» وفق هذا المنطق، وأسقط وهم إمكان التفاهم المرحلي مع طهران، لأن النار حين تصل إلى الداخل يصبح الحساب مختلفًا. وقد كانت من أولى النتائج السياسية العاجلة اتصال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان برئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، وإدانته استهداف الإمارات ووضع إمكانات المملكة بتصرفها، بما يؤشر إلى اصطفاف خليجي أشد وضوحًا في وجه التصعيد الإيراني.
ومن هنا تتقدم فرضية أن هذه الحرب، بما أنتجته من تماسك خليجي سريع، تفتح الباب أمام ترسيخ مسارات التطبيع وتوسيعها لاحقًا، في ظل قناعة متنامية لدى بعض العواصم بأن الخطر العابر للحدود هو ما يحسم خيارات التحالف، وأن اتفاقيات إبراهيم ليست محطة عابرة بل قاعدة قابلة للتمدد، بما قد يُسقط ما تبقى من حلم قيام دولة فلسطينية في ميزان الواقعية السياسية الجديدة التي تفرضها التحولات الكبرى.
النتيجة الأكبر: تهيئة الأرضية لاهتزاز الداخل الإيراني
في المحصلة، ما يجري لا يبدو مجرد ضربات لتدمير مقدرات، بل محاولة لإضعاف النظام من الأعلى (ضرب القيادة والبنية العسكرية) ومن الأسفل (رفع كلفة الحرب على الداخل وإطلاق ديناميات الضغط الاجتماعي)، وصولًا إلى لحظة يُراهن فيها على شارع إيراني «جاهز للانقلاب» أو على الأقل مستعد لالتقاط لحظة الارتباك الكبرى. وبينما يبقى هذا السيناريو رهين تطورات الأيام المقبلة، فإن الأكيد أن المنطقة استيقظت صباح اليوم على معركة لا تشبه ما قبلها: معركة تُكتب فيها معادلات ردع جديدة، وتُختبر فيها الدول والأحلاف، وقد يُعاد فيها تعريف “مَن يملك قرار الشرق الأوسط” لسنوات طويلة قادمة.



