الأربعاء, أبريل 22, 2026
19.1 C
Beirut

من الليطاني إلى الحدود: هل تمهّد إسرائيل لاحتلال جنوب لبنان في إطار الشرق الأوسط الجديد؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

العلاقة بين إسرائيل وجنوب لبنان تشكّلت عبر سلسلة طويلة من الحروب والعمليات العسكرية منذ قيام إسرائيل عام 1948. هذه المنطقة أصبحت إحدى أهم ساحات الصراع في الشرق الأوسط بسبب موقعها الحدودي، ووجود قوى مسلحة معادية لإسرائيل، وتداخل العوامل الإقليمية.

السيناريو التحليلي التالي يصف كيف تطورت أهداف إسرائيل في جنوب لبنان ولماذا تكررت الاجتياحات العسكرية عبر العقود، وصولًا إلى المرحلة الحالية حيث تحولت المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة.

المرحلة الأولى: البدايات بعد قيام إسرائيل (1948–1970)

بعد قيام إسرائيل عام 1948 أصبح جنوب لبنان منطقة حدودية حساسة. في تلك المرحلة لم تكن هناك حروب واسعة، لكن الحدود شهدت:

  • تسلل مجموعات مسلحة.
  • اشتباكات متقطعة بين الجيش الإسرائيلي وقوات لبنانية أو فصائل فلسطينية.

في أواخر الستينيات، وبعد انتقال فصائل من منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان، بدأ جنوب لبنان يتحول إلى قاعدة لعمليات ضد شمال إسرائيل.

هذا التطور جعل إسرائيل ترى الجنوب كـ منطقة تهديد مباشر يجب السيطرة عليها عسكريًا أو تحييدها.

المرحلة الثانية: بداية الاجتياحات الإسرائيلية (1978)

عملية الليطاني

في عام 1978 شنّت إسرائيل عملية عسكرية كبيرة عُرفت باسم

عملية الليطاني 1978.

الأهداف المعلنة للعملية كانت:

  • إبعاد الفصائل الفلسطينية عن الحدود.
  • إنشاء منطقة أمنية داخل لبنان.

الجيش الإسرائيلي تقدّم حتى نهر الليطاني، وهو نهر يشكل خطًا جغرافيًا مهمًا في جنوب لبنان.

بعد العملية تدخلت الأمم المتحدة وأنشأت قوة اليونيفيل لمراقبة الوضع.

المرحلة الثالثة: الاجتياح الكبير (1982)

غزو لبنان

في عام 1982 شنت إسرائيل أكبر عملية عسكرية في تاريخها داخل لبنان وهي

غزو لبنان 1982.

الجيش الإسرائيلي وصل حتى بيروت.

الأهداف المعلنة كانت:

  • القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.
  • وقف الهجمات على إسرائيل.

لكن الحرب أدت إلى نتائج أكبر، منها:

  • خروج قيادة منظمة التحرير من لبنان.
  • بروز قوة جديدة في الجنوب هي حزب الله المدعوم من إيران.

المرحلة الرابعة: المنطقة الأمنية (1985–2000)

بعد الانسحاب الجزئي عام 1985، أبقت إسرائيل على ما سُمّي الشريط الأمني في جنوب لبنان.

خلال هذه الفترة:

  • كانت إسرائيل تدعم ميليشيا جيش لبنان الجنوبي.
  • اندلعت حرب استنزاف طويلة مع حزب الله.

استمرت المواجهات حتى قررت إسرائيل الانسحاب الكامل عام 2000 في عهد

إيهود باراك.

هذا الانسحاب اعتبره حزب الله انتصارًا عسكريًا.

المرحلة الخامسة: حرب 2006

في عام 2006 اندلعت حرب كبيرة بين إسرائيل وحزب الله تُعرف باسم

حرب لبنان 2006.

خلال الحرب:

  • تعرضت مدن إسرائيلية للقصف بالصواريخ.
  • شنّت إسرائيل حملة جوية وبرية واسعة في الجنوب.

بعد الحرب صدر قرار مجلس الأمن 1701 الذي نص على:

  • انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني.
  • منع وجود قوات مسلحة غير الدولة اللبنانية في تلك المنطقة.

المرحلة الحالية: الصراع على الحدود

في السنوات الأخيرة بقي جنوب لبنان منطقة توتر بسبب:

  • ترسانة حزب الله الصاروخية.
  • المواجهة غير المباشرة بين إسرائيل و إيران في المنطقة.

إسرائيل تعلن أن هدفها هو:

  • منع تمركز قوات حزب الله قرب الحدود.
  • منع إنشاء جبهة صاروخية تهدد شمال إسرائيل.

بينما يرى كثير من اللبنانيين أن إسرائيل تحاول:

  • فرض منطقة عازلة داخل لبنان.
  • إبقاء الجنوب تحت ضغط عسكري دائم.

السيناريو الاستراتيجي العام

عند النظر إلى تاريخ الصراع يمكن رسم سيناريو متكرر:

  1. ظهور قوة مسلحة معادية لإسرائيل في جنوب لبنان.
  2. تصاعد الهجمات عبر الحدود.
  3. تدخل عسكري إسرائيلي واسع داخل لبنان.
  4. إنشاء منطقة عازلة أو ترتيبات أمنية مؤقتة.
  5. انسحاب لاحق مع بقاء التوتر.

هذا النمط تكرر عدة مرات منذ 1978 حتى اليوم.

البيان الذي صدر عن جيش الاحتلال الإسرائيلي

في سياق الحرب الدائرة على الجبهة اللبنانية، أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي بيانًا عاجلًا موجّهًا إلى سكان جنوب لبنان يدعوهم فيه إلى إخلاء مناطقهم والتوجه شمال نهر الليطاني.

وجاء في مضمون البيان تحذير واضح لسكان الجنوب بضرورة الانتقال فورًا إلى ما وراء نهر الليطاني، مؤكدًا أن هذا التحذير لا يقتصر على القرى الحدودية، بل يشمل أيضًا سكان مدينتي صور و بنت جبيل.

كما أوضح البيان أن العمليات العسكرية الجارية – بحسب الرواية الإسرائيلية – تأتي نتيجة أنشطة حزب الله في المنطقة، والتي يقول الجيش الإسرائيلي إنها تجبره على العمل عسكريًا ضد مواقع الحزب. وفي الوقت نفسه أكد أن الجيش لا يستهدف المدنيين، لكنه حذّر من أن أي وجود بالقرب من عناصر الحزب أو منشآته أو وسائله القتالية قد يعرّض حياة المدنيين للخطر.

وطالب البيان سكان جنوب لبنان بإخلاء منازلهم فورًا حفاظًا على سلامتهم، مشيرًا إلى أن أي منزل يُستخدم لأغراض عسكرية قد يصبح هدفًا محتملاً للضربات. كما شدد على ضرورة انتقال السكان إلى شمال الليطاني، محذرًا من أن أي تحرك باتجاه الجنوب قد يعرّض حياتهم للخطر في ظل العمليات العسكرية الجارية.

ويُفهم من مضمون هذا البيان أن الجيش الإسرائيلي يحاول إبعاد المدنيين عن مناطق العمليات العسكرية المحتملة، وهو ما قد يشير إلى التحضير لمرحلة عسكرية أوسع في جنوب لبنان.

دلالات البيان: مرحلة عسكرية جديدة

إن مضمون هذا البيان يوحي بأن إسرائيل انتقلت إلى مرحلة عسكرية مختلفة في الحرب.

فالتحذير لا يقتصر على قرى حدودية صغيرة، بل يشمل مدنًا كبيرة في الجنوب، كما يطالب السكان بالانتقال إلى شمال نهر الليطاني، وهو الخط الجغرافي الذي سعت إسرائيل تاريخيًا إلى جعله حدًا لمنطقة عازلة داخل لبنان.

هذا الأمر يوحي بأن إسرائيل قد تكون بصدد:

  • تنفيذ عمليات عسكرية واسعة في الجنوب.
  • دفع السكان إلى النزوح من المنطقة الحدودية.
  • إنشاء منطقة خالية من المدنيين قرب الحدود.

وبذلك يبدو أن الهدف المحتمل هو تفريغ جنوب لبنان من سكانه تمهيدًا لفرض سيطرة عسكرية عليه أو لإنشاء حزام أمني جديد داخل الأراضي اللبنانية.

البعد الجغرافي: القرى المحورية والتلال الحاكمة للممر الحدودي في جنوب لبنان

عند قراءة الخريطة الجغرافية لجنوب لبنان يتبيّن أن المنطقة الممتدة من الخيام شرقًا مرورًا بمدينة بنت جبيل وصولًا إلى طير حرفا غربًا تشكّل واحدًا من أهم المحاور الجغرافية والعسكرية في الجنوب. فهذا الامتداد يوازي إلى حد كبير الحدود مع إسرائيل ويضم سلسلة من القرى المرتفعة والتلال التي تتحكم بالطرق الداخلية والممرات الحيوية في المنطقة.

وتبرز على هذا المحور مجموعة من القرى الأساسية التي تُعد نقاط ارتكاز جغرافية، منها الخيام و مرجعيون في القطاع الشرقي، ثم بلدات عيترون و مارون الراس و بنت جبيل التي تشكل عقدة مركزية في وسط هذا المحور، إضافة إلى قرى يارون و راميا و عيتا الشعب التي تقع مباشرة على الخط الحدودي.

أما في القطاع الغربي من هذا الامتداد فتبرز بلداتمروحين و الجبين وشيحين وصولًا إلى طير حرفا القريبة من الساحل الجنوبي.

إلى جانب هذه القرى، تلعب مجموعة من التلال والمرتفعات دورًا حاسمًا في التحكم بالمشهد الجغرافي والعسكري للمنطقة. ومن أبرزها تلال مارون الراس التي تشرف مباشرة على الجليل الأعلى، إضافة إلى المرتفعات المحيطة بمدينة بنت جبيل والتي تطل على عدد كبير من القرى الحدودية، وكذلك التلال الممتدة في القطاع الغربي بين شيحين و طير حرفا والتي تشرف على الطريق الساحلي الجنوبي.

وتكمن أهمية هذه القرى والتلال في أنها تشرف على شبكة الطرق التي تربط بين القرى الحدودية والعمق اللبناني، كما تتحكم بالممرات الطبيعية التي تمتد موازية للحدود. ولهذا السبب كانت هذه المناطق تاريخيًا مسرحًا رئيسيًا للمواجهات في مختلف الحروب، حيث إن السيطرة عليها تعني عمليًا التحكم بأحد أهم المحاور الجغرافية والعسكرية في جنوب لبنان.

تقع الناقورة وصور في أقصى جنوب لبنان على الساحل الشرقي للبحر المتوسط قرب الحدود مع إسرائيل، بينما تقع قرى كفرشوبا والعرقوب في الجزء الجنوبي الشرقي من لبنان ضمن منطقة جبلية تطل على ملتقى الحدود بين لبنان وسوريا وإسرائيل قرب مزارع شبعا. جغرافيًا تشكّل الناقورة نقطة ساحلية استراتيجية لأنها تقع عند بداية الخط الحدودي البحري والبري بين لبنان وإسرائيل وتضم مقر قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، كما أنها قريبة من مناطق الغاز المحتملة في شرق البحر المتوسط. أما مدينة صور فهي مركز ساحلي مهم يربط الساحل الجنوبي ببقية الأراضي اللبنانية. في المقابل تتميز كفرشوبا والعرقوب بتضاريس جبلية مرتفعة تشرف على مناطق واسعة من الجليل الأعلى وشمال إسرائيل، ما يمنحها أهمية عسكرية للمراقبة والسيطرة على الطرق الحدودية. لذلك تُعد هذه المناطق حساسة في الاستراتيجية الإسرائيلية لأسباب أمنية وحدودية؛ فالساحل عند الناقورة يرتبط بترسيم الحدود البحرية وموارد الطاقة، بينما تمنح المرتفعات في كفرشوبا والعرقوب أفضلية مراقبة عسكرية على الحدود الشمالية، وهو ما يفسّر استمرار التوتر حول هذه المناطق ضمن الصراع الحدودي بين لبنان وإسرائيل.

وفي ظل التطورات العسكرية الحالية، يبرز سؤال سياسي حساس يتعلق بمستقبل هذه المنطقة: هل يمكن أن تدخل مسألة السيطرة على هذه الطرق والمحاور الجغرافية ضمن مفاوضات سياسية أو أمنية مستقبلية؟

ففي كثير من النزاعات الحدودية في العالم، تتحول الطرق الاستراتيجية والممرات الجغرافية إلى موضوع تفاوض حول ترتيبات أمنية أو مناطق عازلة أو آليات مراقبة دولية.

وبالنسبة إلى لبنان، فإن أي نقاش من هذا النوع قد يرتبط بمسائل أوسع مثل تثبيت الحدود الدولية، وتطبيق قرار مجلس الأمن 1701، ودور اليونيفيل في مراقبة المنطقة الحدودية.

ما هي خريطة إسرائيل الكبرى؟

يُستخدم مصطلح “إسرائيل الكبرى” للإشارة إلى تصور جغرافي لدولة إسرائيل يمتد على مساحة أوسع بكثير من حدودها الحالية.

وغالبًا ما يُشار إلى هذا التصور بعبارة “من النيل إلى الفرات”، أي بين:

  • نهر النيل غربًا
  • و نهر الفرات شرقًا

وبين هذين النهرين تقع مساحات واسعة من الشرق الأوسط.

المناطق التي تُذكر عادة ضمن هذا التصور

بحسب التصورات الجغرافية المتداولة لهذه الفكرة، فإن الامتداد يشمل أجزاء من:

  • فلسطين التاريخية
  • الأردن
  • لبنان
  • أجزاء من سوريا
  • أجزاء من العراق
  • أجزاء من مصر

الخاتمة: أي لبنان نريد في ظل التحولات الكبرى؟

في خضم هذه التحولات الكبرى، يبرز سؤال سياسي واستراتيجي مهم:

هل بدأ مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي يتحدث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدخل حيّز التنفيذ؟

فقد تحدث نتنياهو في أكثر من مناسبة عن أن المنطقة تمر بمرحلة تاريخية قد تؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط. ومع اندلاع الحرب الإقليمية الحالية واتساع رقعتها بين إسرائيل و إيران وحلفائها، يرى بعض المحللين أن ما يجري اليوم قد يكون بداية لتحولات جيوسياسية عميقة في المنطقة.

وفي هذا السياق، تبدو جبهة جنوب لبنان واحدة من أهم ساحات هذا التحول المحتمل، حيث تتقاطع فيها الصراعات الإقليمية والعسكرية والاستراتيجية.

غير أن التحدي الأكبر بالنسبة للبنان لا يقتصر على مواجهة التطورات العسكرية، بل يمتد إلى القدرة على صياغة موقف سياسي وطني موحد قادر على التعامل مع هذه المرحلة الحساسة. فالتحديات التي يواجهها لبنان اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل الدولة نفسها ودورها في المنطقة.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى توافق وطني حقيقي، ولو لمرة واحدة، حول سؤال أساسي ظل حاضرًا في الحياة السياسية اللبنانية منذ عقود: أي لبنان نريد؟

هل نريد دولة قادرة على حماية سيادتها وحدودها ومصالح شعبها، أم ساحة مفتوحة تتقاطع فوقها صراعات القوى الإقليمية والدولية؟

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...

من هيبّون إلى قلوب الجزائريين: البابا ليون الرابع عشر على خُطى أوغسطينوس

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس القديس أوغسطينوس اسمًا عابرًا في تاريخ المسيحية،...

الخيام: حين تعود البلدة من باب الذاكرة والسجن

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد هناك مدن لا نرتبط بها لأننا سكناها، بل...

More like this

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...