أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم
منذ نكبة فلسطين عام 1948 دخل العالم العربي مرحلة طويلة من الصراع مع إسرائيل. ومع تصاعد الشعور بالهزيمة والرغبة في استعادة الأرض والكرامة، ظهرت شعارات تعبويّة كثيرة كان أبرزها عبارة «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». في بدايتها بدت هذه العبارة منطقية في زمن الحرب، إذ كان الهدف توحيد المجتمعات خلف قضية التحرير. غير أن هذا الشعار سرعان ما تجاوز كونه تعبيرًا عن لحظة تعبئة عسكرية، ليصبح قاعدة سياسية حكمت العلاقة بين السلطة والمجتمع في أكثر من بلد عربي.
خلال ستينيات القرن الماضي، ومع صعود المشروع القومي في عهد الرئيس المصري جمال عبد الناصر، أصبح الصراع مع إسرائيل القضية المركزية التي تُقدَّم على كل القضايا الأخرى. وفي ظل هذا المناخ، جرى تأجيل النقاش حول الحريات والإصلاحات السياسية بدعوى أن الأمة تخوض معركة مصيرية. لكن الهزيمة القاسية التي مُنيت بها الأنظمة العربية في حزيران عام 1967، كشفت أن الشعارات لا تُحرر فلسطين ولا تبرر ضعف المؤسسات ولا غياب النقد والمساءلة.
ومع ذلك استمر الشعار حاضراً في الخطاب السياسي، وعاد بقوة خلال حرب تشرين عام 1973، وأفضل من أجاد استخدام هو النظام السوري البائد ،ثم في مراحل لاحقة من الصراع العربي الإسرائيلي. وصولاً إلى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، دخلت فكرة “المعركة الدائمة” إلى قلب الحياة السياسية، خصوصًا مع صعود دور حزب الله بعد الاندحار الاسرائيلي عام 2000 وتمكنه من حصر المقاومة به قتلاً واغتيالاً وإبعاداً واستطاع ربط شرعيته السياسية بفكرة المقاومة المستمرة.
غير أن المشكلة لم تكن في الدفاع عن القضايا الوطنية، بل في الطريقة التي استُخدم بها الشعار سياسيًا. ففي كثير من الحالات تحوّل “صوت المعركة” إلى ذريعة لإسكات الأصوات الأخرى: صوت النقد، وصوت الإصلاح، وصوت المطالبة بدولة القانون والمؤسسات. وباسم المعركة جرى تقييد الحريات وتأجيل الإصلاحات، وجرى استبدال التنمية الاقتصادية والعلمية والاجتماعية باقتصاد موازٍ لاضعاف فكرة الدولة ومؤسساتها، إضافة إلى سيادة الغيبيات والسرديات الخرافية وإطلاق عبارات “اشرف الناس” مما شجع مسألة فائض القوة لطغيان بيئة خارجة عن القانون. وعند بروز قوى معارضة لهذا النهج الخطير يستعاد مقابله شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، إلى الطعن بضهر ما يسمى بالمقاومة، وربط كل ذلك بتحرير القدس وفلسطين الشماعة التي تعاقب على استخدامها أنظمة الاستبداد وقوى القمع والظلام.
بعد أكثر من سبعين عامًا، تكشف التجربة التاريخية مفارقة واضحة: فالمعركة لم تُحسم، لكن المجتمعات دفعت ثمناً باهظاً من فرص التقدم الضائعة. وقد أصبح واضحاً أن قوة الدول لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالمؤسسات القوية، والاقتصاد المنتج، والعلم، وحرية النقاش.
ثم عاد ذلك الشعار بقوة في أعقاب حرب الإبادة التي شنها الكيان على غزة، لتتطور إلى الحرب مع المحور الإيراني، من إيران إلى لبنان. وبالرغم من الهزائم المتوالية للمحور على الجبهات كافة عادت أذرعته وعلى رأسهم حزب الله بإستخدامه في الحرب الراهنة في لبنان تنفيذاً لأجندة إيرانية ولمصلحة ايران، ومع انفضاح زيف هذا الشعار يعود بعض المناضلين لتبرير سلوك حزب الله باسم مواجهة المشروع الامبريالي الصهيوني إلى سائر العبارات الخشبية.
فالسؤال هو متى يأتي دور النقد طالما ان المجتمعات العربية خاصة المجتمع اللبناني في حالة حروب منذ ستة عقود؟



