الأربعاء, أبريل 22, 2026
13.5 C
Beirut

بين غرب إيران وأوجلان: هل بدأت تركيا فعلًا محاولة ترتيب بيتها الداخلي قبل العاصفة؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

مع اتساع المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، لم تعد الحرب تقتصر على الضربات الجوية أو المواجهات غير المباشرة عبر الحلفاء، بل بدأت تتحول إلى صراع على العقد الجغرافية وممرات النفوذ وموازين ما بعد الحرب. وفي هذا السياق، تبرز محافظتا إيلام وكرمانشاه في غرب إيران بوصفهما أكثر من مجرد منطقة حدودية؛ إنهما عقدة جيوسياسية حساسة قد تؤثر نتائجها في التوازن الإقليمي، ليس فقط بالنسبة لإيران بل أيضًا بالنسبة لتركيا التي تراقب تطورات الحرب من زاوية أمنها القومي وحساباتها الاستراتيجية الأوسع.

في الحروب الكبرى، لا تكون الجغرافيا مجرد مسرح للعمليات، بل تصبح جزءًا من المعركة نفسها. وغرب إيران يمثل نموذجًا واضحًا لذلك. فهذه المنطقة الواقعة ضمن سلسلة جبال زاغروس تشكل بوابة طبيعية بين الهضبة الإيرانية وبلاد الرافدين، وهي ممر بري مهم يربط إيران بالعراق. ومن خلال هذه الممرات بنت طهران خلال السنوات الماضية أحد خطوط نفوذها نحو المشرق العربي، وصولًا إلى سوريا ولبنان. ولهذا فإن أي إضعاف للسيطرة الإيرانية في هذه المنطقة قد يعني إرباكًا لأحد المسارات التي اعتمدت عليها إيران في توسيع حضورها الإقليمي.

لكن تداعيات مثل هذا التحول لن تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية. فتركيا، بحكم موقعها الجغرافي، تنظر إلى شمال العراق وغرب إيران وسوريا باعتبارها فضاءً أمنيًا مترابطًا. ولذلك فإن أي اهتزاز كبير في غرب إيران قد ينعكس مباشرة على البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. وإذا تحولت تلك المناطق إلى ساحة تنافس إقليمي أو فراغ أمني، فقد تجد أنقرة نفسها أمام واقع جديد يتطلب إعادة تقييم أولوياتها.

أحد أبرز عناصر القلق التركي في هذا السياق هو البعد الكردي. فالمناطق الواقعة في غرب إيران تضم تجمعات كردية مهمة، وهي قريبة جغرافيًا من إقليم كردستان العراق. وإذا أدت الحرب أو ضعف السيطرة المركزية إلى تحولات سياسية داخل هذه المناطق، فقد يعيد ذلك إحياء أسئلة الحكم الذاتي أو الترتيبات السياسية الخاصة بالمناطق الكردية. بالنسبة لتركيا، يبقى هذا الاحتمال حساسًا للغاية، لأن أي تطور في المسألة الكردية خارج حدودها قد ينعكس بشكل مباشر على توازناتها الداخلية.

وهنا تحديدًا تتقاطع الجغرافيا الإقليمية مع السياسة الداخلية التركية. ففي الأشهر الأخيرة عاد اسم عبد الله أوجلان إلى الواجهة بعد دعوات تتعلق بنزع السلاح والتحول نحو مسار سياسي. كما أعلن حزب العمال الكردستاني في وقت سابق قرار حل نفسه وإنهاء التمرد المسلح، في خطوة اعتُبرت تحولًا مهمًا في مسار الصراع الطويل بين الحزب والدولة التركية.

في هذا السياق، يمكن قراءة الضغوط المتزايدة داخل تركيا لدفع هذا المسار نحو ما يُسمّى “الاندماج الديمقراطي” بوصفها محاولة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي قبل مرحلة إقليمية قد تكون أكثر تعقيدًا. فالتعامل مع الملف الكردي داخل تركيا كان دائمًا أحد أكثر الملفات استنزافًا للدولة على المستوى الأمني والسياسي، وأي محاولة لتخفيف حدته قد تمنح أنقرة هامش حركة أوسع في التعامل مع التحولات الجارية حولها.

مع ذلك، لا يمكن القول إن تركيا نجحت بالفعل في “ترتيب بيتها الداخلي”. فالمسار ما زال في بداياته، وتحيط به تعقيدات سياسية وقانونية كبيرة. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن هناك محاولة لفتح مسار جديد، أو على الأقل لتخفيف حدة الصراع الداخلي في وقت قد تكون فيه المنطقة على أعتاب مرحلة إعادة تشكيل أوسع.

وفي هذا السياق يطرح سؤال آخر يتعلق بالسلوك التركي المحتمل إذا امتدت تداعيات الحرب إلى غرب إيران، وتحديدًا إلى المناطق ذات الغالبية الكردية. فتركيا تاريخيًا ركزت عملياتها العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني داخل أراضيها وفي شمال العراق وسوريا، لكنها تجنبت إلى حد كبير التدخل المباشر داخل الأراضي الإيرانية. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها تجنب فتح مواجهة مباشرة مع إيران، إضافة إلى وجود نوع من التفاهمات الأمنية غير المعلنة بين البلدين في ما يتعلق بضبط النشاطات المسلحة الكردية على الحدود. ومع ذلك، يطرح بعض المحللين احتمال تغير هذا الحساب إذا أدت الحرب الإقليمية إلى إضعاف السيطرة المركزية الإيرانية في المناطق الكردية غرب البلاد. ففي مثل هذا السيناريو قد تخشى أنقرة من نشوء فراغ أمني يسمح بظهور كيانات مسلحة جديدة أو بتمدد نفوذ الجماعات الكردية عبر الحدود، وهو ما قد يدفعها إلى تعزيز حضورها الأمني في المناطق القريبة من حدودها أو إلى التفكير بخيارات أكثر نشاطًا، وإن كان التدخل العسكري المباشر داخل إيران يبقى حتى الآن سيناريو بعيد الاحتمال.

غير أن السؤال الأعمق الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: هل يمكن أن يجد الأكراد أنفسهم في قلب مواجهة مفتوحة بين دولتين إقليميتين كبيرتين مثل إيران وتركيا؟
الإجابة ليست بسيطة. فالحركات الكردية في المنطقة ليست موحدة سياسيًا أو عسكريًا، كما أن أولوياتها تختلف من دولة إلى أخرى. ومع ذلك، فإن أي اضطراب كبير في غرب إيران قد يخلق وضعًا معقدًا تصبح فيه المناطق الكردية ساحة تداخل بين مصالح إقليمية متنافسة. وفي مثل هذه الحالات التاريخية غالبًا ما تتحول المناطق الحدودية ذات الهويات القومية المتعددة إلى ساحات صراع غير مباشر بين الدول، حتى لو لم يكن ذلك هدفًا مباشرًا للحركات المحلية نفسها.

لكن في الوقت نفسه، يبدو أن معظم القوى الكردية تدرك المخاطر الكبيرة للدخول في مواجهة مفتوحة مع دولتين كبيرتين في الوقت نفسه. فالتجارب السابقة في المنطقة أظهرت أن مثل هذه المواجهات غالبًا ما تنتهي بتكاليف بشرية وسياسية كبيرة. ولهذا تميل الكثير من الحركات الكردية إلى محاولة الموازنة بين المطالب السياسية المحلية وتجنب الانجرار إلى صراعات إقليمية واسعة.

في النهاية، تبدو الحرب الجارية أكبر من مجرد مواجهة بين دول. إنها اختبار واسع للجغرافيا السياسية كلها: من الممرات البرية في غرب إيران، إلى خرائط النفوذ في العراق وسوريا، وصولًا إلى كيفية إعادة الدول الكبرى في المنطقة ترتيب بيتها الداخلي قبل لحظة التحول. وضمن هذا المشهد، لا تبدو تركيا مراقبًا بعيدًا، بل لاعبًا يحاول أن يستبق الصدمة: يقرأ الخرائط، يضبط الداخل، ويتهيأ لمرحلة قد لا يكون فيها السؤال من سيربح الحرب فقط، بل من سيكون أقدر على التكيف مع نتائجها.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...

من هيبّون إلى قلوب الجزائريين: البابا ليون الرابع عشر على خُطى أوغسطينوس

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس القديس أوغسطينوس اسمًا عابرًا في تاريخ المسيحية،...

الخيام: حين تعود البلدة من باب الذاكرة والسجن

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد هناك مدن لا نرتبط بها لأننا سكناها، بل...

More like this

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...