أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
تشهد المنطقة اليوم مرحلة شديدة التوتر في ظل التصعيد المتزايد حول إيران واتساع دائرة الصراع الإقليمي. وفي هذا السياق ظهرت تقارير عن اتصالات أمريكية مع قوى كردية إيرانية وطرح فكرة مشاركتها في أي مواجهة محتملة مع النظام في طهران. هذه التطورات أعادت إلى الواجهة تاريخاً طويلاً من العلاقة المعقدة بين الحركة الكردية الإيرانية والسلطة الإيرانية، وهي علاقة اتسمت منذ عام 1979 بمحاولات متكررة للحوار السياسي انتهت جميعها تقريباً بالفشل.
بالنسبة لكثير من الأكراد الإيرانيين، فإن فهم اللحظة الراهنة يتطلب العودة إلى ذلك التاريخ الطويل من المفاوضات والصراعات. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية حاولت القيادات الكردية أكثر من مرة فتح قنوات تفاوض مع طهران بهدف الوصول إلى تسوية سياسية تضمن الحقوق القومية والثقافية للشعب الكردي داخل إيران. غير أن هذه المحاولات لم تحقق نتائج دائمة، وغالباً ما انتهت إما بانهيار المفاوضات أو بعودة المواجهة العسكرية.
مفاوضات عام 1979 بعد الثورة الإيرانية
بدأت أولى محاولات الحوار بعد سقوط نظام الشاه في فبراير عام 1979 وقيام الجمهورية الإسلامية بقيادة روح الله الخميني. في تلك المرحلة اعتقدت القيادات الكردية أن النظام الجديد قد يكون أكثر استعداداً للاعتراف بالتعدد القومي داخل إيران، خصوصاً أن الثورة رفعت شعارات العدالة والحرية.
طرح الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني بقيادة الدكتور عبد الرحمن قاسملو مشروعاً سياسياً عرف باسم مشروع الحكم الذاتي الديمقراطي لكردستان إيران. لم يكن هذا المشروع يدعو إلى الانفصال، بل إلى صيغة حكم ذاتي داخل الدولة الإيرانية تتيح إدارة محلية منتخبة في المناطق الكردية مع الاعتراف باللغة الكردية وحقوقها الثقافية.
خلال الفترة الممتدة من مارس إلى أغسطس عام 1979 جرت اتصالات ومفاوضات بين الحكومة الإيرانية المؤقتة بقيادة مهدي بازركان وبين ممثلي الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وعدد من الشخصيات السياسية الكردية. كان الأمل أن تؤدي هذه المفاوضات إلى اتفاق ينهي التوتر المتصاعد في المناطق الكردية.
إلا أن الخلافات ظهرت سريعاً. فقد رفضت القيادة الدينية في طهران فكرة الحكم الذاتي رفضاً قاطعاً، معتبرة أن أي شكل من أشكال الإدارة الذاتية قد يهدد وحدة الدولة الجديدة. وفي التاسع عشر من أغسطس عام 1979 أعلن الخميني موقفاً حاسماً ضد الأحزاب الكردية، ودعا إلى مواجهة ما وصفه بالتمرد في كردستان إيران.
بعد ذلك بدأت حملة عسكرية واسعة للحرس الثوري والقوات الحكومية في مدن كردستان إيران مثل سنندج ومهاباد. أدى هذا التصعيد العسكري إلى انهيار المفاوضات بالكامل واندلاع صراع مسلح استمر خلال الثمانينات.
مفاوضات فيينا 1988–1989
بعد نحو عقد من المواجهة المسلحة ظهرت محاولة جديدة للحوار. ففي عام 1988 انتهت الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثماني سنوات، وبدأت طهران في تلك الفترة تبحث عن تخفيف التوترات الداخلية.
في هذا السياق جرت اتصالات سرية بين الحكومة الإيرانية وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. تم الاتفاق على عقد سلسلة لقاءات في العاصمة النمساوية فيينا.
انعقدت الاجتماعات في التواريخ التالية:
28 ديسمبر 1988
30 ديسمبر 1988
20 يناير 1989
قاد الوفد الكردي الدكتور عبد الرحمن قاسملو، الذي كان آنذاك الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وأحد أبرز المفكرين والسياسيين الأكراد في القرن العشرين. شارك في اللقاءات أيضاً عدد من الشخصيات السياسية الكردية، بينما حضر ممثلون عن الحكومة الإيرانية.
كما لعب الزعيم الكردي العراقي الراحل جلال طالباني دوراً مهماً في تسهيل هذه الاتصالات، إذ كان يتمتع بعلاقات مع الطرفين وسعى إلى إيجاد حل سياسي للنزاع.
ركزت هذه المفاوضات على عدة قضايا أساسية، من بينها وقف العمليات العسكرية بين القوات الإيرانية والمقاتلين الأكراد، وفتح المجال أمام العمل السياسي الكردي داخل إيران، وبحث مستقبل الحقوق الثقافية والإدارية للأكراد.
ورغم أن الاجتماعات استمرت عدة جولات، فإنها لم تسفر عن اتفاق نهائي. ومع ذلك اتفق الطرفان على عقد اجتماع جديد لمواصلة الحوار.
اغتيال قاسملو أثناء المفاوضات عام 1989
في الثالث عشر من يوليو عام 1989 عُقد اجتماع جديد لاستكمال المفاوضات. شارك في اللقاء الدكتور عبد الرحمن قاسملو ورفيقاه عبد الله قادري آذر وفاضل رسول.
غير أن هذا الاجتماع تحول إلى واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في تاريخ الحركة الكردية الإيرانية. فقد قُتل قاسملو ورفيقاه داخل مكان الاجتماع أثناء جلسة التفاوض.
شكل هذا الحدث صدمة عميقة للحركة الكردية لأنه وقع بينما كان الزعيم الكردي يجلس على طاولة الحوار السياسي. كما أدى الاغتيال إلى انهيار كامل لمسار المفاوضات وفقدان الثقة بين الأحزاب الكردية الإيرانية والنظام الإيراني.
ومنذ ذلك الوقت أصبحت حادثة اغتيال قاسملو رمزاً لفشل مسار الحوار بالنسبة لكثير من الأكراد الإيرانيين.
مفاوضات عام 2001 مع منظمة كومله
بعد سنوات طويلة من الصراع ظهرت محاولة جديدة للحوار في بداية الألفية الجديدة. ففي عام 2001 جرت اتصالات ومفاوضات بين منظمة كومله الكردية الإيرانية ومسؤولين إيرانيين.
جاءت هذه الاتصالات في سياق محاولات إقليمية لخفض التوتر وفتح قنوات سياسية بين الطرفين. كما لعب الزعيم الكردي العراقي جلال طالباني دوراً في تسهيل هذه الاتصالات ومحاولة تقريب وجهات النظر.
تناولت هذه المحادثات عدة قضايا، أبرزها إمكانية وقف العمليات العسكرية، وفتح المجال أمام النشاط السياسي، وبحث مستقبل العلاقة بين الحركة الكردية والنظام الإيراني.
لكن هذه المفاوضات لم تؤد إلى اتفاق سياسي دائم. ومع مرور الوقت توقفت الاتصالات دون تحقيق اختراق حقيقي في الأزمة القائمة منذ عقود.
لقاءات أوسلو عام 2019
بعد ذلك بسنوات طويلة ظهرت محاولة أخرى للحوار. ففي عام 2019 عقدت لقاءات سرية في العاصمة النرويجية أوسلو بين وفد من الحكومة الإيرانية وعدة أحزاب كردية إيرانية.
هدفت هذه اللقاءات إلى استكشاف إمكانية فتح مسار سياسي جديد للحوار. غير أن هذه الاجتماعات بقيت محدودة وسرية إلى حد كبير، ولم تتحول إلى عملية تفاوض رسمية طويلة الأمد.
كما أثارت هذه اللقاءات جدلاً داخل الأوساط السياسية الكردية بسبب الغموض الذي أحاط بنتائجها، ولأن كثيرين اعتبروا أنها لم تقدم خطوات عملية نحو حل القضية الكردية داخل إيران.
خلاصة تاريخية
خلال أكثر من أربعة عقود جرت عدة محاولات للتفاوض بين الحركة الكردية الإيرانية والنظام في طهران. بدأت هذه المحاولات بالمفاوضات التي جرت بعد الثورة الإيرانية عام 1979، ثم استمرت في لقاءات فيينا بين عامي 1988 و1989، تلتها اتصالات عام 2001 مع منظمة كومله، ثم لقاءات أوسلو عام 2019.
لكن جميع هذه المحاولات انتهت دون الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.
واليوم، ومع تصاعد التوترات الإقليمية واحتمال توسع الصراع حول إيران، تعود هذه الخلفية التاريخية لتؤثر بقوة في مواقف كثير من الأكراد الإيرانيين. فبالنسبة لقطاع واسع منهم، فإن تجربة عقود طويلة من النضال والمفاوضات التي لم تحقق نتائج ملموسة خلقت قناعة متزايدة بأن الطريق السياسي لم ينجح حتى الآن في حل القضية الكردية داخل إيران.
وبعد أكثر من أربعين عاماً من المفاوضات والصراعات والمنفى، يرى كثير من الأكراد الإيرانيين أنهم لم يعودوا يملكون الكثير ليخسروه. ولذلك يعتقد بعضهم أن المرحلة المقبلة قد تعيدهم مرة أخرى إلى خيار المواجهة، وأن الطريق الذي بدأ منذ عقود قد يقودهم مجدداً إلى ساحات القتال في محاولة جديدة لتحقيق الحرية التي طال انتظارها.



