أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
مع صعود ما يُشار إليه إعلاميًا بـ «المرشد خامنئي الثاني»، يفتح المشهد الإيراني بابًا واسعًا من التحليلات حول طبيعة المرحلة المقبلة. فإيران تدخل لحظة مفصلية بعد سنوات من المواجهة الإقليمية والضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية، ما يجعل القيادة الجديدة أمام اختبار تاريخي: هل ستواصل نهج الصدام أم ستقود مرحلة من التسويات الكبرى؟
في هذا السياق، يطرح بعض المراقبين فرضية أن المرشد الجديد قد يكون الشخصية التي ستوقّع على التنازلات الكبرى في أي تفاهم محتمل مع الولايات المتحدة، حيث يوجد دونالد ترامب في البيت الأبيض خلال ولايته الثانية. هذه القراءة ترى أن النظام الإيراني قد يحتاج إلى شخصية تملك شرعية قوية داخل المؤسسة الحاكمة كي تتمكن من تمرير قرارات صعبة دون أن يتفكك النظام من الداخل.
شرعية الوريث وقدرة التنازل
يستند هذا التحليل إلى فكرة أن مجتبى خامنئي، بوصفه ابن المرشد السابق، قد يمتلك نوعًا من الشرعية الرمزية والسياسية داخل النظام. هذه الشرعية قد تمنحه القدرة على اتخاذ قرارات لا يستطيع غيره اتخاذها، خصوصًا إذا تعلقت بإعادة صياغة العلاقة مع الغرب أو تقديم تنازلات استراتيجية للحفاظ على استمرارية النظام.
في التاريخ السياسي الإيراني، استُخدم تعبير «تجرّع السم» لوصف قرار آية الله الخميني بقبول وقف إطلاق النار مع العراق عام 1988 بعد حرب طويلة ومكلفة. ومن هنا تأتي المقارنة التي يطرحها بعض المحللين اليوم: هل سيكون المرشد الجديد هو من «يتجرع السم» مرة أخرى، ولكن هذه المرة في إطار تسوية استراتيجية مع الولايات المتحدة؟
نظام يبحث عن البقاء
الفرضية التي يتداولها بعض الباحثين تقول إن الهدف الأول للنظام الإيراني في هذه المرحلة قد لا يكون تحقيق انتصار سياسي كبير، بل ضمان بقاء النظام نفسه. فبعد سنوات من العقوبات والتوترات والحروب غير المباشرة في المنطقة، تواجه طهران ضغوطًا اقتصادية واجتماعية كبيرة.
في هذا الإطار، قد تكون التسوية مع واشنطن جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تثبيت النظام من الداخل، حتى لو تطلب ذلك تقليص بعض الطموحات الإقليمية أو العسكرية.
الملفات التي قد تكون على الطاولة
في حال اتجهت الأمور نحو تفاهم كبير بين إيران والولايات المتحدة، فإن الملفات الأساسية المتوقعة ستكون:
• البرنامج النووي الإيراني: تقليص مستوى التخصيب أو وضع البرنامج تحت رقابة دولية أكثر صرامة.
• برنامج الصواريخ الباليستية: وهو ملف تعتبره واشنطن وتل أبيب تهديدًا استراتيجيًا.
• النفوذ الإقليمي الإيراني: أي تقليص دور الشبكات العسكرية والسياسية المرتبطة بطهران في عدد من دول المنطقة.
هذه القضايا تمثل بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل أهدافًا استراتيجية منذ سنوات، وقد تشكل أساس أي تسوية كبرى في المستقبل.
البعد الدولي: النفط والصراع مع الصين
لكن التحليل لا يتوقف عند حدود الشرق الأوسط. فبعض المراقبين يرون أن أي تفاهم كبير بين طهران وواشنطن قد يحمل أيضًا أبعادًا تتعلق بالتنافس الاقتصادي العالمي، وخصوصًا الصراع بين الولايات المتحدة والصين.
فإعادة دمج النفط الإيراني في الأسواق العالمية قد يمنح واشنطن تأثيرًا إضافيًا في سوق الطاقة الدولي. كما يرى بعض المحللين أن من المكاسب الجيوسياسية المحتملة لأي تفاهم بين «خامنئي الثاني» وإدارة ترامب إضعاف أو إعاقة بعض مسارات مبادرة الحزام والطريق الصينية (المعروفة بخط الحرير الجديد)، خاصة تلك التي تمر عبر إيران أو تعتمد على موقعها الجغرافي في ربط آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا.
بمعنى آخر، قد يؤدي انفتاح إيراني محدود على الغرب إلى إعادة ترتيب موقع إيران في شبكة الممرات الاقتصادية العالمية، وهو ما قد يؤثر بشكل غير مباشر في الاستراتيجية الاقتصادية الصينية في المنطقة.
بين الواقعية السياسية والسيناريوهات المحتملة
مع ذلك، تبقى كل هذه السيناريوهات في إطار التحليل السياسي وليس الوقائع المؤكدة. فالنظام الإيراني تاريخيًا أظهر قدرة كبيرة على الموازنة بين الخطاب الأيديولوجي والبراغماتية السياسية.
لذلك قد لا يكون المرشد الجديد بالضرورة قائد مرحلة تنازلات كاملة، بل ربما قائد مرحلة إعادة تموضع، يحاول من خلالها الحفاظ على توازن دقيق بين استمرار النظام من جهة، وتخفيف الضغوط الدولية من جهة أخرى.
لحظة اختبار للنظام الإيراني
في النهاية، ما يواجهه المرشد الجديد ليس مجرد تحدٍ سياسي عادي، بل لحظة تاريخية للنظام الإيراني. فالقرارات التي ستتخذ في السنوات القليلة المقبلة قد تحدد شكل إيران لعقود قادمة:
هل ستبقى دولة مواجهة دائمة مع الغرب، أم ستدخل مرحلة من التسويات الكبرى التي تعيد رسم موقعها في النظام الإقليمي والدولي؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تعتمد فقط على شخصية المرشد الجديد، بل على توازنات القوة داخل إيران نفسها، وعلى التحولات الجيوسياسية الكبرى التي يشهدها العالم اليوم.



