الأربعاء, أبريل 22, 2026
13.5 C
Beirut

حق التعبير: بين شجاعة الكلمة ومسؤولية القانون

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

سألني صديق يومًا لماذا أصرّ على الكتابة، ولماذا أستمر في التعبير عن رأيي رغم المآسي والضرر الذي لحق بجوانب مختلفة من حياتي بسببها. أجبته بأن التاريخ مليء بأمثلة لأشخاص دفعوا ثمن الكلمة، لأنهم آمنوا بأن التفكير والنقاش الحرّ جزء أساسي من كرامة الإنسان.

كان سقراط، الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، أحد أعظم الفلاسفة في أثينا خلال الحضارة الإغريقية. عُرف بتشجيعه الناس على التفكير النقدي وطرح الأسئلة بدلًا من قبول الأفكار الجاهزة. غير أن هذا النهج لم يكن مريحًا للسلطة السياسية في زمانه، إذ رأى بعض السياسيين ورجال النفوذ في فلسفته تهديدًا لسلطتهم.

اتهمه خصومه بإفساد عقول الشباب وإنكار آلهة المدينة، فحُكم عليه بالموت بتهمة نشر أفكار تخالف تقاليد المجتمع الأثيني. عُرض عليه أن يتراجع عن أفكاره مقابل إنقاذ حياته، لكنه رفض ذلك، مؤمنًا بأن الحقيقة والعدالة أهم من النجاة الشخصية. وحتى عندما أُتيح له الهروب، أصرّ على البقاء، وقال عبارته الشهيرة:

“الموت ليس أسوأ شيء، بل العيش دون كرامة وصدق هو الأسوأ.”

وفي النهاية، شرب السمّ بهدوء، ليصبح رمزًا تاريخيًا للفلسفة والبحث عن الحقيقة.

وبالطبع، لا أدّعي امتلاك الحقيقة، ولا أدّعي أنني سقراط. لكنني أقرأ، ولي رأي مثل أي إنسان آخر، ومن حقي أن أعبّر عنه دون أن يمنعني أحد. فحرية التعبير ليست امتيازًا يمنحه أحد، بل حقّ أساسي تكفله القوانين الدولية والمبادئ الأخلاقية الحديثة.

حرية التعبير في القانون الدولي

تُعد حرية التعبير من أهم الحقوق الأساسية التي اعترفت بها المواثيق الدولية المعاصرة. فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 في المادة 19 على أن:

“لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود.”

ويعد هذا النص من أهم المبادئ المؤسسة للنظام الدولي المعاصر في مجال حقوق الإنسان.

كما أكّد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 في المادة 19 أيضًا أن لكل إنسان الحق في اعتناق الآراء دون مضايقة، وأن لكل شخص الحق في حرية التعبير، بما يشمل حرية البحث عن المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة.

ويُعد هذا العهد اتفاقية دولية ملزمة للدول التي صادقت عليه، وهو أحد أهم الصكوك القانونية في منظومة الأمم المتحدة لحماية الحقوق المدنية والسياسية.

حرية التعبير في النظم الإقليمية

لم يقتصر الاعتراف بحرية التعبير على المواثيق العالمية، بل امتد إلى الاتفاقيات الإقليمية. فقد نصت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لعام 1950 في المادة 10 على حماية حرية التعبير، بما يشمل حرية الرأي وتلقي المعلومات ونقلها دون تدخل من السلطات العامة.

كما أكّد الميثاق العربي لحقوق الإنسان لعام 2004 في المادة 32 ضمان حرية الرأي والتعبير وحق الحصول على المعلومات ونقلها.

هذه النصوص تعكس إجماعًا قانونيًا دوليًا على أن حرية التعبير تشكل ركيزة أساسية في أي مجتمع يسعى إلى احترام كرامة الإنسان وسيادة القانون.

حرية التعبير في الفكر الفلسفي

لم يكن الدفاع عن حرية التعبير حكرًا على القوانين الحديثة، بل كان موضوعًا مركزيًا في الفكر الفلسفي منذ قرون.

فالفيلسوف البريطاني جون ستيوارت ميل كتب في كتابه الشهير عن الحرية عام 1859:

“إذا أُسكت رأي واحد، فقد نكون بذلك نحرم البشرية من الحقيقة.”

كان ميل يرى أن حرية التعبير ضرورية لاكتشاف الحقيقة، لأن الأفكار لا تتطور إلا من خلال النقاش والنقد.

أما الكاتب الفرنسي فولتير فقد ارتبط اسمه بمبدأ التسامح الفكري، وتنسب إليه العبارة الشهيرة التي تلخص فلسفته:

“قد أختلف معك في الرأي، لكنني مستعد أن أدافع حتى الموت عن حقك في قوله.”

كذلك كتب الكاتب البريطاني جورج أورويل:

“إذا كانت الحرية تعني شيئًا، فهي تعني حق الناس في أن يقولوا ما لا يريد الآخرون سماعه.”

وهي عبارة تلخص جوهر حرية التعبير بوصفها حقًا يحمي الآراء غير المريحة، لا الآراء المتفق عليها.

بين الحرية والمسؤولية

مع ذلك، فإن حرية التعبير في القانون الدولي ليست حقًا مطلقًا بلا قيود. فالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية يقر بإمكانية فرض قيود محددة عليها عندما يكون ذلك ضروريًا لحماية حقوق الآخرين أو الأمن العام أو النظام العام.

لكن الفقه القانوني الدولي يؤكد أن أي قيود يجب أن تكون محددة بالقانون، وضرورية، ومتناسبة مع الهدف المشروع المراد تحقيقه.

وبهذا المعنى، فإن جوهر حرية التعبير في القانون الدولي يقوم على تحقيق توازن بين حق الفرد في التعبير وواجب المجتمع في حماية حقوق الآخرين.

الكلمة كحق إنساني

في النهاية، تبقى حرية التعبير أحد أعمدة الكرامة الإنسانية. فهي ليست مجرد حق سياسي، بل شرط أساسي لوجود مجتمع قادر على التفكير والنقد والمساءلة.

الكتابة والتعبير عن الرأي قد تكون أحيانًا طريقًا صعبًا، وقد تحمل تبعات شخصية أو اجتماعية. لكن التاريخ يبين أن تقدم المجتمعات لم يكن ممكنًا دون أصوات تجرأت على التفكير والسؤال.

ولهذا، فإن الدفاع عن حق التعبير لا يعني الادعاء بامتلاك الحقيقة، بل يعني الإيمان بأن البحث عنها يجب أن يبقى مفتوحًا أمام الجميع.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الصين والاتحاد السوفياتي: لماذا استمرت الأولى حين فقدت الثانية شروط البقاء؟ مقارنة من منظور ماركس ولينين وغرامشي!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس السؤال الجدي، من منظور ماركسي، من “انتصر”...

اليوم التالي: نحو الجولة الرابعة!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع حزب...

من هيبّون إلى قلوب الجزائريين: البابا ليون الرابع عشر على خُطى أوغسطينوس

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليس القديس أوغسطينوس اسمًا عابرًا في تاريخ المسيحية،...

الخيام: حين تعود البلدة من باب الذاكرة والسجن

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد هناك مدن لا نرتبط بها لأننا سكناها، بل...

More like this

الخيام: حين تعود البلدة من باب الذاكرة والسجن

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد هناك مدن لا نرتبط بها لأننا سكناها، بل...

دير ميماس: حين تصير البلدةُ قلبًا على تخوم الزيتون وفلسطين

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد دير ميماس ليست، في الوجدان، مجرد بلدةٍ تُرى...

بابلو نيرودا… حين صار الحبُّ قصيدةً تشبه نبضنا!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد تعلّقت، كما كثير من اليساريين في جيلي، بـبابلو نيرودا...