أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
وصلني اليوم خبر رحيل الشاعر الكردي أحمد حسيني (Ehmedê Huseynî) في السويد، فتوقفت طويلاً عند الاسم. لم أفكر أولاً في الشاعر المعروف ولا في صاحب الدواوين والكتب، بل في ذلك الشاب الذي عرفته في عامودا قبل زمن طويل، في سنوات الشباب الأولى، حين كانت الحياة تبدو أوسع من السياسة وأبسط من كل ما سيأتي بعدها.
عرفت أحمد في مدينته، وكان يومها شاباً يافعاً، يحمل تلك الحساسية التي تميز الشعراء حتى قبل أن يكتبوا كثيراً. كانت اللقاءات عفوية، وكان بيت أخيه سعيد مكاناً دافئاً يجتمع فيه الأصدقاء. نمت في ذلك البيت غير مرة، وكان الباب مفتوحاً دائماً للرفاق والكلام الطويل.
وعرفت أخاه عبد الباسط أيضاً، وكانت بيننا معرفة ودودة. ما زلت أذكره في فرن الحي في عامودا، حين كانت الطوابير تمتد طويلاً أمام الخبز، وكنتُ أختصر الانتظار بفضل معرفتي به. تفاصيل صغيرة كهذه تبدو الآن بعيدة، لكنها كانت جزءاً من حياة كاملة ومن ألفة تلك المدينة الصغيرة.
كنا نتحدث كثيراً في تلك الأيام: عن الشعر، عن الكرد، عن العالم، وعن أحلام تبدو الآن بعيدة. وكان أحمد يتكلم عن اللغة كما لو أنها شيء حيّ، كأن الكلمات ليست مجرد وسيلة بل بيت كامل يمكن أن يسكنه الإنسان. منذ تلك السنوات المبكرة كان واضحاً أنه يسير في طريق الشعر، حتى لو لم يكن يعرف بعد إلى أين ستقوده تلك الطريق.
لاحقاً قرأت له أبياتاً شعرت أنها تشبه تلك الروح التي عرفتها فيه مبكراً، إذ يقول في إحدى قصائده:
«كلما ابتعدتُ عن قريتي
صارت أقرب إليّ
كأن الطريق الطويل
لا يفعل شيئاً
سوى أن يعلّم القلب الحنين.»
هذا الحنين ظل يسكن شعره دائماً. فحتى بعد أن أخذته الحياة إلى المنافي البعيدة، وبخاصة إلى السويد حيث عاش سنوات طويلة، بقيت قصيدته مشدودة إلى المكان الأول، إلى الذاكرة، إلى تلك المدن الصغيرة التي تصنع بدايات الإنسان.
مرت السنوات، وكما يحدث كثيراً في حياتنا، جاءت السياسة وفتحت مسافات بين الأصدقاء. افترقنا في المواقف والطرق، وتباعدت الدروب. لكن ما بقي دائماً هو ذلك الود القديم الذي لا تستطيع الخلافات أن تمحوه بالكامل. بعض الصداقات التي تبدأ في الشباب تبقى في مكان ما من القلب، مهما تغيّرت الظروف.
كان أحمد من الشعراء الذين عاشوا تجربة المنفى بعمق. لم يكن المنفى عنده مجرد إقامة في بلد آخر، بل حالة وجودية كاملة، انعكست في قصائده التي كانت مليئة بالحنين والأسئلة والمرارة الجميلة التي يعرفها كل من اقتلعته الحياة من أرضه الأولى.
ويقول في مقطع آخر من شعره:
«المنفى طريقٌ بلا نهاية
نمشيه ونحن نحمل
مفاتيح البيوت القديمة
في جيوب الذاكرة.»
حين أتذكره الآن، لا أراه كشاعر في الكتب فقط، بل أراه كما عرفته أول مرة: شاباً يجلس بين الأصدقاء، يتحدث بحماسة، ويحلم بأن يكون للكلمة معنى في هذا العالم القاسي.
رحل أحمد حسيني بعيداً عن عامودا، كما رحل كثير من أبناء هذه البلاد في المنافي البعيدة. لكن الذاكرة تفعل ما لا تستطيع الجغرافيا أن تفعله. فهي تعيد الناس دائماً إلى أماكنهم الأولى. ولهذا، حين أفكر فيه الآن، أراه يعود إلى تلك المدينة الصغيرة التي عرفته فيها أول مرة، شاباً يحمل في قلبه لغة كاملة، ولا يعرف بعد أن حياته ستصير جزءاً من تاريخ تلك اللغة.
سلام لروحه،
وسلام لتلك الأيام التي جمعتنا في بيت واحد وصداقة واحدة،
وسلام لعامودا التي تعلّمنا فيها أن الشعر يمكن أن يكون طريقة أخرى للحياة.



